مركز دراسات الشهيد الخامس: بيت فكر يقرأ الحاضر ويرسم الغد..!
اسعد عبد الله عبد علي ||

باحث عراقي، عمل في صحف الاستقامة والتاخي والحقيقة, والكثير من الصحف الاخرى من عام 2008 الى 2018 ولديه مئات المقالات المنشورة في الصحف والمواقع العراقية والعربية من عام 2008 ولليوم.
يتجاوز “مركز دراسات الشهيد الخامس” الفكرة التقليدية للمؤسسات البحثية التي تكاد تنحصر في رصد الأرقام وجدولة الأحداث، ليكون بمثابة عقلٍ نابض وبيت فكر يتسع لكل فكرة ناضجة. هو ليس مجرد اسم يُضاف إلى قائمة المراكز، بل هو كيان يحمل رسالة حقيقية؛ يسعى ليكون الملاذ الذي يلجأ إليه كل من يبحث عن فهم حقيقي ووعي أصيل بعيداً عن ضوضاء الأخبار السريعة والمضللة.
لقد أخذ المركز على عاتقه مسؤولية كبرى تجاه العراق وتجاه المنطقة بأسرها، متمثلة في تفكيك المشهد المعقد الذي يمتزج فيه السياسي بالاقتصادي والاجتماعي. ففي عالم تتداخل فيه الأزمات، يؤمن المركز بأن فصل هذه المسارات عن بعضها ينتج قراءة قاصرة، لذلك يقدم رؤية شاملة وواضحة ترى المشهد كلوحة واحدة متكاملة الأركان.
هذا التميز ينبع من رفض المركز القاطع للنظرة العابرة أو السطحية التي تكتفي بوصف النتيجة دون البحث عن السبب. فالحدث اليومي بالنسبة للمركز ليس إلا قمة جبل الجليد، ولكي يفهمه بحق، يغوص الباحثون فيه إلى الأعماق،
مستصحبين معهم كتاب التاريخ ليفهموا جذور الحكاية، وخريطة الجغرافيا ليدركوا أبعاد الصراع وموازين القوى. ومن خلال هذا الربط الذكي والعميق بين الماضي والحاضر، يمتلك المركز “العين البصيرة” والقدرة على رسم ملامح المستقبل، وتقديم قراءات استشرافية دقيقة تساعد صناع القرار والمجتمع على الاستعداد لما يحمله الغد من تحولات.
إن قيمة هذا المركز الحقيقية تنبع من كونه لا يقف عند حدود نقل الأخبار أو تدوين الوقائع، بل يفتش عما وراء الكواليس، ويبحث عن المحركات الخفية التي تصنع الأحداث.
ومن هنا، يفتح المركز أبوابه ليكون مرفأً آمناً وملتقى للمفكرين والباحثين، يتبادلون فيه المعرفة ويثرون المكتبة العربية ببحوث جديدة تجمع العقول وتفتح أبواب النقاش المثمر.
أما سر تميز هذا المركز، فيكمن في أنه ينظر إلى قضايا المنطقة بعيون أبنائها؛ فهو يرفض النظريات الجاهزة والأفكار المستوردة التي تأتي من خلف البحار لتُفرض على واقعنا. إنه يؤمن بأن فهم مشاكلنا يبدأ من فهم عاداتنا، وثقافتنا، وتعقيدات حياتنا اليومية. هذا الصدق في القراءة حمى أبحاث المركز من الأحكام السطحية، وجعل منه قبلة ومقصداً لكل طالب علم وباحث في السياسة والاقتصاد والثقافة، يبحث عن حقيقة نابعة من قلب المجتمع لا من الكتب البعيدة عنه.
ومع كل هذا العطاء، يظل المركز وفياً لأمانة العلم؛ فهو لا يطلب من قرائه التسليم المطلق بما يقدمه، بل يشجعهم دائماً على إعمال العقل، ومقارنة أبحاثه بآراء الآخرين، بحثاً عن الحقيقة الكاملة واحتراماً للتنوع الفكري. وفي نهاية المطاف، يبقى “مركز دراسات الشهيد الخامس” شمعة تنوير تضيء العقول ولا تلقنها، ورسالة نبيلة تسعى لبناء وعي مجتمعي يقظ، يدفع بالبحث العلمي نحو آفاق أرقى وأجمل.




