الزيدي أمام إرث ثقيل: هل ينتصر مشروع الدولة على تعقيدات السياسة؟!
طه حسن الأركوازي ||

في المشهد السياسي العراقي ، لم يعد الرأي العام يولي أهتماماً كبيراً للخطابات السياسية بقدر أهتمامه بالمُؤشرات العملية التي تعكس قُدرة مُؤسسات الدولة على الاستجابة للتحديات المُتراكمة ، ومنذ تكليف السيد “علي الزيدي” رئيساً لمجلس الوزراء برز السؤال المركزي حول ما إذا كانت حكومته تمتلك فعلاً الأدوات السياسية والمُؤسسية اللازمة لإحداث إصلاح حقيقي ، أم أنها ستواجه القيود ذاتها التي حدّت من قُدرة الحكومات السابقة على تحويل الوعود إلى نتائج ، فجوهر التحدي لا يتعلق بإعلان برامج جديدة ، بل بمدى القُدرة على فرض أولويات الدولة على شبكة المصالح السياسية والإدارية التي أعاقت الإصلاح لسنوات .
وتتمثل أهمية المرحلة الحالية في أختبار قُدرة الحكومة على الانتقال من تشخيص الأزمات إلى مُعالجتها عبر قرارات تنفيذية ملموسة . فالإصلاح الاقتصادي ، وتعزيز سلطة الدولة ، وتحسين الخدمات العامة ، ليست مُجرد عناوين سياسية ، بل ملفات ترتبط مُباشرة بمدى قُدرة السُلطة التنفيذية على إعادة بناء الثقة بالمُؤسسات .
ومن هنا ، فإن نجاح الحكومة لن يُقاس بحجم التعهدات ، بل بقُدرتها على مُعالجة الاختلالات البنُيوية التي أضعفت كفاءة الدولة ، وأفقدت المواطنين الثقة بفاعلية السياسات العامة .
العراق اليوم يواجه تحديات تتجاوز مسألة الموارد المُتاحة ، إذ ترتبط بدرجة كبيرة بإرث من الاختلالات الإدارية والسياسية وتداخل المصالح الحزبية مع عمل مُؤسسات الدولة ، وفي هذا السياق ، تجد أي حكومة جديدة نفسها أمام ملفات مُترابطة ومُعقدة تشمل الجوانب الاقتصادية والأمنية والخدمية والسياسية ، ما يجعل عملية الإصلاح أكثر صعوبة ويتطلب مُقاربة شاملة ومُتدرجة .
ومن ثم ، فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يظل إطاراً خطابياً أو هدفاً نظرياً ، بل يتطلب سياسات تنفيذية واضحة تُعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام ، وتحد من الهدر ، وتعزز الاستفادة من الإمكانات والكفاءات الوطنية ، كما أن فعالية أي إصلاح مالي وإداري تعتمد إلى حد كبير على ترسيخ معايير الكفاءة والمُؤسسية في إدارة الدولة ، والحد من المُمارسات التي أضعفت أداء المُؤسسات خلال السنوات الماضية .
أما ملف الأمن وحصر السلاح بيد الدولة ، فيمُثل أحد المُؤشرات الأساسية على قُدرة الحكومة على تعزيز سيادة القانون وترسيخ مفهوم الدولة الحديثة ، فأستقرار البيئة الأمنية يعد شرطاً مُهماً لدعم النشاط الاقتصادي ، وجذب الاستثمارات ، وتحقيق التنمية المُستدامة ، ولا يمكن لأي مشروع تنموي أو أستثماري أن يُحقق أهدافه كاملة في بيئة تفتقر إلى الاستقرار وسيادة القانون ، ولذلك فإن التطورات في هذا الملف ستُشكل معياراً مُهماً لتقييم مدى قُدرة الحكومة على ترجمة التزاماتها إلى سياسات قابلة للتنفيذ .
وفي هذا السياق ، فإن جوهر الاختبار السياسي للحكومة يكمن في قُدرتها على تحويل هذه الأهداف إلى برامج قابلة للتنفيذ ضمن بيئة مُؤسسية مُعقدة ، فالإصلاح المُستدام يتطلب آليات واضحة للمُساءلة والشفافية ، لأن غيابها كان أحد الأسباب الرئيسية لتعثر محاولات التغيير السابقة ، كما أن تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين سيبقى العامل الحاسم في قياس نجاح الحكومة وقُدرتها على ترسيخ شرعيتها السياسية .
وفي جانب آخر ، فإن أنفتاح رئيس الوزراء على مختلف الشرائح والكفاءات الوطنية وأصحاب الخبرات وشيوخ العشائر في القطاعات المتُعددة يمكن أن يُشكل نُقطة قوة إذا تُرجم إلى عملية صنع قرار أكثر كفاءة ، لكن القيمة السياسية لهذا التوجه لا تتحدد بأتساع دائرة المشاورات ، بل بمدى الالتزام بمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة في التعيين وإدارة المؤسسات ، فنجاح مشروع الإصلاح يرتبط مُباشرة بقُدرة الحكومة على كسر أنماط المُحاصصة والاعتبارات الضيقة التي أضعفت أداء الدولة وأعاقت بناء مُؤسسات فاعلة .
إن الدول القادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية هي تلك التي تُحسن توظيف طاقاتها البشرية وتضع الشخص المُناسب في المكان المُناسب ، لأن بناء الثقة بين الدولة والمُجتمع ، وتعزيز الهوية الوطنية ، وترسيخ ثقافة الإنجاز والمسؤولية تمثل ركائز أساسية لا تقل أهمية عن الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية والاستثمارية في مسيرة الإصلاح والتنمية المُستدامة .
ومع ذلك ، فإن إصدار أحكام نهائية على أي تجربة حكومية في مراحلها المُبكرة يظل أمراً سابقاً لأوانه ، إذ إن تقييم الأداء يرتبط بالنتائج الفعلية ، ومدى القُدرة على التعامل مع التعقيدات السياسية والمُؤسسية ، وأتخاذ قرارات قد تكون ذات كلفة سياسية لكنها ضرورية لتحقيق أهداف الإصلاح .
أخيراً وليس آخراً .. اليوم يقف العراق أمام فُرصة جديدة لإعادة توجيه مسار السياسات العامة ، إلا أن نجاح هذه الفُرصة يعتمد على قُدرة حكومة السيد “علي الزيدي” على تجاوز مُعوقات النظام السياسي والإداري التي عطلت مسارات الإصلاح سابقاً ، فالمسألة لم تعد مُرتبطة بتحديد المُشكلات بقدر ما ترتبط بأمتلاك الإرادة والقدرة على فرض حلول قابلة للتنفيذ داخل مُؤسسات الدولة ، كما أن مسؤولية الإصلاح لا تقع على عاتق الحكومة وحدها ، بل تشمل مجمل النُخب السياسية والمُؤسسات المعنية بصنع القرار ، والتي باتت مُطالبة بتغليب أعتبارات الاستقرار المُؤسسي والمصلحة العامة على الحسابات قصيرة الأمد ، فالأطروحة الأساسية التي ستحدد مصير هذه التجربة تتمثل في ما إذا كانت الحكومة قادرة على بناء تحالف سياسي ومُؤسسي داعم للإصلاح ، يتيح ترسيخ سيادة القانون وتعزيز كفاءة الدولة ، وعندها فقط سيكون معيار النجاح ما يتحقق على أرض الواقع لا ما يُعلن …!




