الجمعة - 03 يوليو 2026

مجلس أسترداد الأموال: أختبار الدولة الأخير .؟

منذ شهر واحد
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي

 

 

 

في الدول التي أنهكها الفساد لا تُقاس جدية الحكُومات بحجم التصريحات ، بل بقُدرتها على أستعادة ما فُقد من أموال وثقة وهيبة مُؤسسات ، ومن هذا المنطلق يكتسب قرار رئيس مجلس الوزراء السيد “علي الزيدي” بتأسيس المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة المالية وأسترداد المال العام أهمية تتجاوز كونه إجراءاً إدارياً أو تنظيماً رقابياً جديداً ، لأنه يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في العراق وهي قضية حماية المال العام ومحاسبة المُتسببين بهدره عبر سنوات طويلة من سوء الإدارة ، وضعف الرقابة ، وتضارب المصالح .

القرار جاء في لحظة سياسية تتزايد فيها مطالب العراقيين بترجمة شعارات الإصلاح إلى خطوات عملية قابلة للقياس ، فالعراق لا يعاني من نقص في القوانين أو الهيئات الرقابية بقدر ما يعاني من ضُعف التنفيذ ، وتداخل الصلاحيات ، وغياب المُتابعة الحازمة للملفات الكُبرى .

لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي مجلس أو لجنة جديدة لا تكمن في تسميتها أو هيكليتها ، بل في قُدرتها على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز الفعلي .

إن مُراجعة العقود الحكومية والتدقيق في جدواها الاقتصادية تُمثل خطوة ضرورية لإغلاق أحد أهم منافذ الهدر المالي ، فالكثير من الأزمات التي واجهتها الدولة لم تكن نتيجة قلة الموارد ، بل نتيجة سوء توظيفها أو توجيهها نحو مشاريع لم تحقق أهدافها التنموية ، ولهذا فإن أي عملية إصلاح جادة يجب أن تبدأ من ضمان أن كُل دينار يُنفق يُحقق منفعة عامة حقيقية، لا منفعة سياسية أو فئوية أو شخصية .

كما أن إشراك القضاء والأجهزة الرقابية في مُتابعة المُخرجات يعكُس إدراكاً لأهمية تحويل الرقابة من إجراء شكلي إلى مسار مُؤسسي مُتكامل ، غير أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهوناً بمدى أستقلالية الإجراءات عن الضغوط ، لأن مُكافحة الفساد تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو الانتقائية في تطبيق القانون .

ومن هنا فإن الرسالة الأهم للحكومة والنُخب السياسية تتمثل في أن أسترداد المال العام ليس معركة حكومة ضد حكومة سابقة ، ولا خلافاً بين أطراف مُتنافسة ، بل هو معركة دولة تسعى لأستعادة ثقة مواطنيها ، فالدول لا تُبنى بتبادل الاتهامات ، وإنما ببناء منظومة رقابية راسخة تُحاسب الجميع وفق معيار واحد هو القانون.

إن العراق اليوم يقف أمام فُرصة لأختبار صدقية الإرادة الإصلاحية ، فإذا نجحت الحكومة في تحويل هذا المجلس إلى مُؤسسة فاعلة تمتلك الشفافية والقدرة على المتابعة والمُحاسبة وأسترداد الحقوق ، فإنها ستكون قد وضعت حجر أساس مُهماً في مسار أستعادة ثقة المواطن بالدولة .

أما إذا بقيت الإجراءات ضمن إطار البيانات والتوجيهات ، فإنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المُبادرات التي أستهلكها الزمن قبل أن تُحقق أهدافها .

أخيراً وليس آخراً .. إن المُعالجة الحقيقية تبدأ من ترسيخ مبدأ المُساءلة الشاملة ، وتوحيد الجهود الرقابية ، وإبعاد ملفات الفساد عن التجاذبات السياسية ، وربط الإنفاق العام بمعايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية ، عندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من مرحلة “إدارة الفساد” إلى مرحلة “تجفيف منابعه” .

ومن مُطاردة الخسائر إلى بناء دولة مُؤسسات قادرة على صون المال العام ، وحمايته قبل وقوع التجاوز عليه …!