الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ شهر واحد
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

عاد مضيق هرمز ليتحوّل مُجدداً إلى أخطر نقطة توتر في العالم ، بعد سلسلة ضربات مُتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران ، أمتدت أرتداداتها سريعاً إلى أجواء الخليج لتضع المنطقة أمام مشهد شديد الحساسية تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والطاقة والأمن الإقليمي ، فالتصعيد الأخير لا يمكن قراءته بوصفه حادثاً عسكرياً عابراً ، بل بأعتباره جُزءاً من حرب أستنزاف باردة تتوسع تدريجياً منذ سنوات بين واشنطن وطهران ، تتقدّم أحياناً إلى حافة المُواجهة المُباشرة ثم تعود إلى خطوط الاشتباك غير المُعلنة .

ما جرى قرب بندر عباس يكشف أن قواعد الاشتباك التقليدية بدأت تضيق ، فالولايات المُتحدة لم تعد تكتفي بسياسة الردع البحري وحماية خطوط الملاحة ، بل تحاول فرض مُعادلة ميدانية تمنع إيران من أستخدام المُسيرات والصواريخ كورقة ضغط أستراتيجية داخل الخليج ، وفي المقابل تبدو طهران أكثر ميلاً إلى إظهار قُدرتها على تهديد المصالح الأميركية دون الانزلاق إلى حرب شاملة تعرف جيداً أن كُلفتها ستكون قاسية داخلياً وإقليمياً .

اللافت أن التطورات الأخيرة جاءت في توقيت بالغ التعقيد بالنسبة لإيران التي تواجه مُنذ أشهر ضُغوطاً مُتصاعدة مُرتبطة بالعقوبات الاقتصادية الأميركية ، والملف النووي ، والتوترات مع إسرائيل ، إضافة إلى الاستنزاف الأمني والعسكري غير المُباشر المُمتد من سوريا إلى البحر الأحمر والخليج ، لذلك فإن أي تحرك إيراني في هرمز لا يبدو مُنفصلاً عن مُحاولة إعادة رسم خطوط الردع وإثبات أن الضغوط القصوى لن تمر دون كُلفة مُقابلة .

في المقابل ، تُدرك واشنطن أن أمن الممرات البحرية لم يعد ملفاً أقتصادياً فقط ، بل تحول إلى جُزء من معركة النفوذ الدولية خصوصاً مع تصاعد القلق الغربي من أي أضطراب قد يُهدد أسواق الطاقة العالمية ، ولهذا تحاول الإدارة الأميركية إبقاء الضربات ضمن سقف “الرسائل العسكرية المحدودة”، بحيث تمنع إيران من توسيع نفوذها البحري دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تشعل الخليج بالكامل .

أما دخول الكويت على خط الأحداث ولو من زاوية الدفاعات الجوية والتصدي للأهداف المعادية ، فيعكس حقيقة مُقلقة مفادها أن أي مُواجهة في هرمز لم تعد قابلة للاحتواء داخل حدود إيران والولايات المُتحدة فقط ، فدول الخليج أصبحت تلقائياً ضمن دائرة التأثر الأمني والعسكري ، سواء بحكُم الجغرافيا أو المصالح أو الوجود العسكري الأميركي المُنتشر في المنطقة ، وهذا ما يجعل أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال مساحة واسعة تتجاوز حدود الاشتباك الأصلي .

إسرائيل بدورها تُراقب المشهد من زاوية مُختلفة ، فهي ترى في تصاعد الضغط العسكري على إيران فرصة لإضعاف قُدراتها الإقليمية ، وتقليص هامش تحركها ، لكنها في الوقت نفسه تُدرك أن أنفجار مُواجهة شاملة قد يفتح جبهات مُتعددة يصعب التحكم بنتائجها ، لذلك يبدو أن تل أبيب تُفضل أستمرار سياسة “الاستنزاف المُنضبط” ضد طهران ، بدلاً من حرب مُباشرة قد تدفع المنطقة كُلها نحو الفوضى .

في الختام .. المشهد الحالي لا يشير إلى حرب عالمية أو أجتياح شامل بقدر ما يكشف عن مرحلة جديدة من “الحرب الباردة الساخنة” بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى .

إنها مواجهة تقوم على الضربات المحدودة ، والرسائل العسكرية ، وحروب الظل ، والضغط الاقتصادي ، ومحاولات كسر الإرادة السياسية دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل ، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربات ذاتها ، بل في تراكمها ، فالمنطقة تعيش فوق خزان هائل من التوترات ، وأي حادث غير محسوب قد يحول الردع المُتبادل إلى مواجهة مفتوحة لا يريدها أحد ، لكنها قد تُفرض على الجميع بفعل سوء التقدير أو اندفاع يدان أسرع من السياسة …!