الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ شهر واحد
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية ، جاء قرار سماحة السيد “مقتدى الصدر” بفك أرتباط “سرايا السلام” عن الإطار الحزبي وإلحاقها بالمُؤسسة الرسمية ، ليطرح تساؤلات أعمق من مُجرد إعادة تنظيم تشكيل عسكري ، فالقرار في جوهره لا يتعلق بسرايا السلام وحدها ، بل يمس واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العراق منذ عام 2003 وهي العلاقة المُلتبسة بين الدولة والسلاح خارجه ، وبين الشرعية الدستورية والولاءات السياسية .

العراق خلال السنوات الماضية دفع أثماناً باهظة نتيجة تداخل العمل السياسي مع العمل المُسلح حتى أصبحت بعض التشكيلات تُقرأ أحياناً بوصفها أمتداداً لنفوذ القوى السياسية أكثر من كونها جُزءاً من منظومة الأمن الوطني ، وهذا الواقع أضعف هيبة الدولة ، وفتح الباب أمام صراعات داخلية وأستقطابات إقليمية جعلت العراق ساحة مفتوحة للتجاذبات أكثر من كونه دولة تمتلك قرارها السيادي الكامل .

من هنا ، فإن خطوة السيد “الصدر” تحمل أبعاداً تتجاوز بُعدها التنظيمي لأنها تضع الطبقة السياسية العراقية أمام أختبار حقيقي وهو هل يمُكن الانتقال من مرحلة “إدارة التوازنات المسلحة” إلى مرحلة بناء الدولة المُؤسسية .؟

وهل تمتلك القوى السياسية الجُرأة الكافية كما فعل سماحته للتخلي عن أدوات النفوذ التقليدية لصالح مشروع وطني جامع تكون فيه المُؤسسة العسكرية والأمنية هي الجهة الوحيدة المُخولة بحمل السلاح .؟

الأهمية الحقيقية للقرار لا تكمن في الإعلان بحد ذاته ، بل في ما قد يترتب عليه لاحقاً ، فالعراق لا يحتاج إلى بيانات سياسية بقدر حاجته إلى ترسيخ مفهوم الدولة القادرة على أحتكار القوة ، وإنفاذ القانون بعدالة ومهنية بعيداً عن الانتقائية أو الازدواجية ، إذ لا يمُكن بناء أقتصاد مُستقر أو جذب أستثمارات حقيقية أو أستعادة ثقة المواطن ، في ظل تعدد مراكز القرار الأمني أو بقاء السلاح خارج السياقات الرسمية .

وفي المقابل ، فإن نجاح هذه الخطوة يتطلب من الحكومة التعامل معها بوصفها مشروعاً وطنياً مُتكاملاً لا حدثاً إعلامياً عابراً .

فالمطلوب ليس فقط دمج التشكيلات ، بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمُجتمع ، وتعزيز العقيدة الوطنية للمُؤسسات الأمنية ، ومنع أي توظيف سياسي أو أنتخابي للملفات العسكرية مُستقبلاً ، كما أن المرحلة المُقبلة تحتاج إلى خطاب وطني هادئ يطمئن جميع الأطراف ، لأن بناء الدولة لا يتحقق بمنطق الغلبة ، بل بمنطق الشراكة تحت سقف الدستور .

إن أخطر ما واجهه العراق خلال العقود الماضية لم يكن وجود السلاح فحسب ، بل غياب المشروع الوطني الجامع القادر على تنظيم القوة داخل إطار الدولة ، لذلك فإن أي خطوة بأتجاه حصر السلاح بيد المُؤسسات الرسمية يجب أن تُستثمر كفرصة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع ، وبين السياسة والأمن بعيداً عن منطق المحاور والانقسامات .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تصحيح المسار ، لكن نجاحها مرهون بقُدرة القوى السياسية على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة .

فالدول لا تُبنى بتعدُد مراكز النفوذ ، بل بوحدة القرار ، ولا تُحمى بالشعارات ، بل بمؤسسات قوية وقانون يُطبق على الجميع دون أستثناء ، وإذا أرادت الحكومة تثبيت الاستقرار الحقيقي ، فعليها أن تجعل من هيبة الدولة مشروعاً عملياً يبدأ بالإصلاح السياسي ، ويمر بتعزيز القضاء والمؤسسات الأمنية ، وينتهي ببناء مواطن يؤمن أن الدولة وحدها هي الضامن لأمنه ومستقبله …!