شراكة الضرورة لا هيمنة الإمبراطوريات..!
طه حسن الأركوازي ||

لم تعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين تُقرأ بوصفها محطة بروتوكولية عابرة ، بل بأعتبارها أختباراً حساساً لموازين القوة في عالم يتغيّر بسُرعة ، فالمشهد الدولي لم يعد يشبه مرحلة الهيمنة الأمريكية المُنفردة التي أعقبت الحرب الباردة ، بل يتجه تدريجياً نحو نظام أكثر تعقيداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية ، وتتحرك فيه القوى الكبرى بمنطق “إدارة التوازن” لا “فرض الإرادة” .
فالصين بدت خلال الزيارة أكثر هدوءاً وثقة ، وكأنها أرادت إيصال رسالة غير مُباشرة مفادها أن واشنطن لم تعد الطرف الوحيد القادر على رسم قواعد اللعبة الدولية ، إذ لم يكن الاستقبال الصيني حافلاً بالرمزية السياسية التي أعتادتها الإدارات الأمريكية في زيارات سابقة ، كما أن الخطاب الصيني أتجه نحو تثبيت أولوياته الاستراتيجية ، وفي مقدمتها ملف تايوان ، بأعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه ضمن أي تفاهم مُستقبلي مع واشنطن .
في المقابل ، ظهر الرئيس “ترامب” وهو يحاول أستعادة صورة الرئيس القادر على عقد الصفقات الكبرى ، لكن الظروف الدولية الحالية أكثر تعقيداً من أن تُدار بعقلية الصفقات التجارية أو لغة الضغوط القصيرة الأمد ، فالإدارة الأمريكية تواجه تراجعاً نسبياً في قُدرتها على فرض الإيقاع الدولي ، بالتزامن مع صعود صيني أقتصادي وعسكري مُتدرج ، إضافة إلى توسع أدوار قوى إقليمية باتت أكثر أستقلالاً عن الإرادة الأمريكية .
ضمن هذا السياق ، تحولت إيران إلى عنصر مُؤثر في مُعادلة التوازن “الآسيوي ــ الدولي” ، ليس لأنها أصبحت قوة عظمى ، بل لأنها نجحت في الصمود أمام ضغوط مُركبة أمتدت من العقوبات الاقتصادية إلى التهديدات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ، هذا الصمود منح طهران قُدرة تفاوضية أكبر ، وجعل التعامل معها أكثر تعقيداً من مُجرد مُحاولة إخضاعها بالقوة أو عزلها أقتصادياً .
المشهد الحالي يكشف أن واشنطن وتل أبيب تدركان أن أي مُواجهة واسعة مع إيران لن تبقى ضمن حدود الجغرافيا الإيرانية ، بل قد تمتد إلى خطوط الطاقة والممرات البحرية وأسواق الاقتصاد العالمي ، لذلك تبدو التهديدات المُتبادلة جُزءاً من حرب ردع نفسية وسياسية أكثر من كونها تمهيداً لحرب شاملة وشيكة .
أما الصين ، فتتحرك ببراغماتية شديدة ، فهي لا تريد أنهيار إيران لأن ذلك قد يفتح الباب لفوضى إقليمية تهُدد مصالحها الاقتصادية وخطوط إمداد الطاقة ، وفي الوقت نفسه لا ترغب بالدخول في مُواجهة مُباشرة مع الولايات المتحدة ، لذلك تُحاول بكين التموضع كوسيط قادر على إبقاء خطوط التفاوض مفتوحة ومنع الانفجار الكامل في المنطقة .
لكن اللافت أن الحرب الحالية لم تعد تُقاس فقط بالصواريخ أو حاملات الطائرات ، بل بقُدرة الدول على الصمود الاقتصادي ، وإدارة التحالفات ، والتأثير في الممرات البحرية والتجارة العالمية .
ومن هنا يمكن فهم حساسية مضيق هرمز ، والتشدد الإيراني في ربط أي تفاهمات مستقبلية بأمن الخليج ورفع العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي ، ورغم التصعيد الإعلامي ، فإن المُؤشرات السياسية توحي بأن جميع الأطراف ما زالت تبحث عن “تسوية مُؤجلة” لا عن مواجهة نهائية .
فواشنطن لا تريد حرباً مفتوحة تستنزفها في لحظة تنافسها الحاد مع الصين ، كما أن إسرائيل تُدرك أن أي حرب واسعة قد تتحول إلى عبء أستراتيجي طويل الأمد ، فيما تراهن إيران على عامل الوقت وتآكل الضغوط تدريجياً .
في المحصلة .. يبدو العالم اليوم أقرب إلى مرحلة “الحرب الباردة المُتعددة” لا إلى حرب عالمية مُباشرة ، صراع تُستخدم فيه العقوبات والاقتصاد والحصار والتحالفات والممرات البحرية بقدر أستخدام السلاح .
أما الشرق الأوسط ، فسيبقى إحدى أكثر ساحات هذا الصراع أشتعالاً إلى أن تنضج مُعادلة دولية جديدة تُحدد شكل التوازن المُقبل بين واشنطن وبكين وطهران وتل أبيب ، في عالم لم يعد يعترف بإمبراطورية واحدة تتحكم بمصيره …!




