بغداد: وهل خلقَ اللهُ مثلكِ في الدنيا أجمعها؟!
طه حسن الأركوازي ||

ولأنني من “بغداد” العشق والجمال ، “بغداد” الشعراء والصور ، المدينة التي تغنّى بها عمالقة الشعر والغناء ، فإن المشكلة اليوم ليست في أن بغداد مدينة أتعبها الزمن ، فالعواصم الكُبرى تمرّ بحروب وأزمات وتحولات قاسية ، لكنها غالباً ما تستعيد ملامحها حين تمتلك حكومات تعرف معنى الإدارة ، وتُدرك قيمة المكان وهوية المدينة .
أما بغداد ، فالمأساة فيها أعمق من تراجع الخدمات أو تهالك البُنى التحتية ، لأن ما تآكل خلال العقود الماضية لم يكن الحجر وحده ، بل روح المدينة نفسها .
حين يستعيد البغدادي صور وفيديوهات بغداد القديمة ، فهو لا يفعل ذلك بدافع الحنين العاطفي فقط ، بل لأنه يرى الفارق الهائل بين مدينة كانت تمتلك شخصية واضحة ، وعاصمة فقدت كثيراً من ملامحها تحت ضغط الفوضى والإهمال وسوء الإدارة والهُجرة نحوها .
فبغداد التي كانت تُعرف بخُضرتها ، وأناقتها ، وهدوء فضائها العام ، تحولت تدريجياً إلى مدينة مُثقلة بالاختناقات والتجاوزات والتلوث البصري والتراجع الثقافي والاجتماعي ، حتى بات المواطن يشعر أحياناً أنه يعيش داخل مدينة تُدار بلا رؤية .
شارع أبو نؤاس ، وبارك السعدون ، وحديقة الأمة ، لم تكُن مُجرد أماكن ترفيهية عابرة ، بل كانت تُمثل جُزءاً من الذاكرة البغدادية ، ومن صورة العاصمة الحديثة التي عرفها العراقيون لعقود ، تلك الأماكن كانت تعكس وجود دولة تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع هيبة المدن “نظافة المكان ، أحترام الذوق العام ، الأمن المُجتمعي ، وتنظيم الحياة المدنية” .
أما اليوم ، فإن كثيراً من تلك المواقع فقدت دورها الطبيعي لا لأن المُجتمع العراقي تغيّر وحده ، بل لأن الإدارة العامة تراجعت عن حماية هوية العاصمة ، وتركتها رهينة الإهمال والتشوّه والفوضى .
المشكلة الحقيقية أن بغداد خلال السنوات الماضية لم تُعامل كعاصمة حضارية ، بل كملف سياسي وأمني وخدمي متُراكم تُدار أزماته بردود الأفعال لا بالمشاريع بعيدة المدى ، ولهذا غابت الرؤية التي توازن بين التوسع العمراني والحفاظ على هوية المدينة ، وبين التنمية وإعادة بناء الإنسان والمكان معاً ، فالمدينة لا تُقاس بعدد الجسور والمجمعات فقط ، بل بقُدرتها على إنتاج بيئة يشعُر فيها المواطن بالأمان والانتماء والكرامة .
اليوم ، حكومة السيد المُكلّف “علي الزيدي” مُطالبة بأن تُدرك أن إعادة بناء بغداد لا ينبغي أن تُختزل بمشروع دعائي أو موسم أنتخابي عابر ، بل تُمثل مسؤولية وطنية وأخلاقية وتاريخية ، لأن العاصمة ليست واجهة شكلية للدولة ، وإنما المرآة التي تنعكس فيها طبيعة الإدارة ، ومستوى الوعي السياسي والثقافي للسلطة الحاكمة ،
فكلما تراجعت صورة بغداد عُمرانياً وخدمياً وأجتماعياً ، تراجعت معها ثقة المواطن بالدولة ومُؤسساتها ، وربما تكمن إحدى الإشكاليات في أن إدارة العاصمة ، عبر سنوات طويلة أفتقدت أحياناً إلى الرؤية التي تفهم خصوصية بغداد وهويتها الاجتماعية والثقافية وتفاصيلها اليومية ، الأمر الذي جعل العلاقة بين المدينة ومن يتولى إدارتها تبدو في كثير من الأحيان علاقة إدارة وظيفية أكثر من كونها مسؤولية تنطلق من فهم عميق لطبيعة العاصمة وتاريخها ومكانتها .؟
العراق لا يفتقر إلى المال ولا إلى الطاقات البشرية ، لكنه أفتقر طويلاً إلى الإدارة التي تفهم قيمة العاصمة “بغداد” ومعنى الحفاظ على هويتها ، ولذلك فإن أي حكومة قادمة لن تُقاس بكمية التصريحات أو الوعود ، بل بقُدرتها على إعادة الحياة إلى بغداد عبر مشروع حقيقي يُعيد تنظيم الفضاء العام ، ويحمي المناطق التراثية ، ويُعيد الاعتبار للحدائق والمتنزهات والمساحات الخضراء ، ويفرض القانون ، ويمنح العاصمة ملامح تليق بتاريخها ومكانتها ،
فبغداد لا تحتاج إلى معجزة كي تعود ، بل تحتاج إلى مسؤول يرى فيها وطناً لا غنيمة ، وعاصمةً يجب أن تُحترم لا مدينةً تُستهلك ، وحين تمتلك الحكومة هذه الرؤية ، عندها فقط يُمكن للعراقيين أن يُؤمنوا مُجدداً بأن بغداد قادرة على أستعادة شيء من هيبتها التي أرهقها الإهمال وأتعبها الصمت الطويل …!




