حين تقترب النار من الجوار: أين يقف العراق؟!
طه حسن الأركوازي ||

تُظهر التطورات الأمنية المُتسارعة في منطقة الخليج ولا سيما ما أعلنته وزارة الدفاع الإماراتية بشأن أعتراض صواريخ وطائرات مُسيرة قادمة من إيران ، أن الإقليم يدخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً ، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية ، وتتصاعد فيها أدوات الردع المُتبادل إلى مُستويات غير مسبوقة ، فالهجمات التي تكررت خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثاً معزولة ، بل هي جُزء من سياق أوسع يعكس تصاعد التوتر الإقليمي ، وتآكل هوامش التهدئة .
المُعطيات الأولية الصادرة عن الجهات الرسمية الإماراتية تُشير إلى أن منظومات الدفاع الجوي تعاملت مع تهديدات مُتعددة ، شملت صواريخ باليستية وجوالة وطائرات مُسيرة ، وهو ما ينسجم مع طبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على تكثيف الضربات مُنخفضة الكُلفة ، وعالية التأثير ، بهدف إرباك الخصم ، وأستنزاف قُدراته الدفاعية ، كما أن الأصوات التي سُمعت في مناطق مُختلفة من الإمارات والتي أوضحت الوزارة أنها ناجمة عن عمليات الاعتراض ، تعكس مُستوى الجاهزية العملياتية ، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التهديد الذي بات يطال عمق الدول .
في هذا السياق ، لا يمكن فصل هذه التطورات عن التحولات الأوسع في ميزان القوى الإقليمي ، حيث تشير تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن أستخدام الطائرات المُسيرة والصواريخ الدقيقة أصبح أداة رئيسية في إدارة الصراعات غير المُباشرة ، لما توفره من قُدرة على الإنكار السياسي وتقليل الكُلفة البشرية المُباشرة ، كما أن تسارع وتيرة هذه الهجمات يعكس مُحاولة فرض مُعادلات ردع جديدة ، تتجاوز الأُطر التقليدية للحروب وتنتقل إلى نماذج أكثر مرونة وتعقيداً .
غير أن الأهم من توصيف الحدث ذاته هو أستشراف أنعكاساته على البيئة الإقليمية ، خصوصاً بالنسبة للعراق الذي يقف جُغرافياً وسياسياً في قلب هذه التفاعلات ، فالعراق ليس بعيداً عن تداعيات أي تصعيد بين دول الجوار ، بل غالباً ما يكون ساحةً لتقاطعات المصالح والصراعات سواء بشكل مُباشر أو غير مُباشر . ومن هنا ، فإن قراءة هذه التطورات ينبغي أن تتجاوز البُعد الإخباري لتتحول إلى مدخل لتحليل موقع العراق في معادلة الأمن الإقليمي .
إن التجارب السابقة ، كما تُشير دراسات الأمن الإقليمي ، تُؤكد أن الدول التي تفتقر إلى رؤية أستراتيجية واضحة أو أدوات فاعلة لإدارة أزماتها ، تكون الأكثر عُرضة للارتدادات السلبية للصراعات المحيطة بها ، وفي الحالة العراقية ما زالت التحديات البُنيوية المُرتبطة بطبيعة النظام السياسي ، وضعف التنسيق المُؤسسي ، وتداخل المصالح الخارجية ، تُشكل عائقاً أمام بناء موقف وطني مُتماسك قادر على التعامل مع هذه التحولات .
ومن هذا المنطلق ، فإن ما يحدث في الخليج اليوم يجب أن يُقرأ في بغداد بوصفه إنذاراً مُبكراً لا حدثاً عابراً ، فالتصعيد بين إيران ودول الخليج إذا ما أستمر أو توسع قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً ، تشمل توسيع نطاق الاشتباك أو أستخدام ساحات بديلة لتبادل الرسائل ، وهو ما يضع العراق أمام أختبار حقيقي لقُدرته على حماية سيادته ، وتجنب الانزلاق إلى محاور الصراع .
إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الحكومة الحالية فقط ، بل تمتد إلى الطبقة السياسية بأكملها التي مُطالبة اليوم بإعادة تقييم أولوياتها ، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء أستراتيجيات أستباقية ، فالدولة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية ، وتغفل عن مُحيطها الإقليمي تجد نفسها عاجلاً أم آجلاً جُزءاً من مُعادلات لا تملك التحكم بها .
وعليه ، فإن المطلوب في المرحلة المُقبلة هو تبني مُقاربة واقعية تقوم على تحييد العراق عن صراعات المحاور ، وتعزيز قُدراته الدفاعية والمُؤسسية ، وتفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية ، بما يضمن عدم تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات ، كما أن الاستثمار في بناء مُؤسسات أمنية مُحترفة قائمة على الكفاءة والمهنية ، يُعد شرطاً أساسياً لتعزيز الاستقرار الداخلي ومواجهة التحديات الخارجية .
خاتماً .. إن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها الحكومه في العراق بوضوح ، هي أن التحولات الإقليمية لا تنتظر المُترددين ، وأن حماية الدولة لا تتحقق بالشعارات أو التوازنات الهشة ، بل بإرادة سياسية واعية تُترجم إلى سياسات واقعية ومُؤسسات قوية .
إن تجنيب العراق تداعيات الصراعات المُحيطة به يبدأ من الداخل ، من إصلاح بُنية القرار ، وتغليب المصلحة الوطنية ، ووضع الشخص المُناسب في المكان المناسب عندها فقط يُمكن للعراق أن يتحول من ساحة تأثر إلى فاعل قادر على التأثير ، ومن دولة تتلقى الصدمات إلى دولة تدير توازناتها بثقة وأقتدار …!




