الجمعة - 03 يوليو 2026

بين السيادة والتهدئة: أختبار الدولة على حدودها البحرية..!

منذ شهرين
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في تطور يعكس حساسية المشهد البحري في أقصى جنوب العراق ، أفادت مصادر محلية بإصابة عدد من الصيادين العراقيين إثر تعرضهم لإطلاق نار أثناء تواجدهم في المياه القريبة من الحدود مع دولة الكويت ، وذلك خلال مُمارسة نشاطهم المهني المُعتاد ، وقد نُقل المصابون إلى الجهات الصحية لتلقي العلاج ، فيما أعاد الحادث إلى الواجهة ملفاً يتجاوز في دلالاته حدود الواقعة الأمنية ، ليضع مُجدداً سؤال السيادة وإدارة الحدود البحرية في صلب النقاش الوطني .

إن التعامل مع هذا الحادث لا ينبغي أن يُختزل في كونه حادثاً عرضياً أو نتيجة التباس ميداني ، بل يجب قراءته ضمن سياق أوسع يرتبط بكيفية إدارة العراق لحقوقه السيادية في مياهه الإقليمية وممراته الحيوية وفي مقدمتها “خور عبد الله” ، فهذه المنطقة لا تُمثل مُجرد فضاء ملاحي أو نطاق صيد ، بل تُعد شرياناً أقتصادياً وأستراتيجياً ، يستند موقعه القانوني إلى وثائق رسمية وترتيبات دولية قائمة ، بما يُكرس للعراق حضوراً واضحاً وحقوقاً لا لبس فيها ضمن الأطر المعترف بها .

وعلى هذا الأساس ، فإن أي إجراء ميداني يؤدي إلى الإضرار بمواطنين عراقيين أثناء مُمارستهم نشاطاً مشروعاً ، يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام العملي بالقواعد المُنظمة للعلاقات الحدودية البحرية ، وحول الحاجة إلى ضبط التفاعلات الميدانية بما ينسجم مع روح الاتفاقات لا مع تفسيراتها الضيقة ، فالمشكلة لم تعُد مُجرد تباين تقني في تحديد خطوط أو مناطق ، بل أصبحت مُرتبطة بغياب آليات تنفيذية حازمة تضمن أحترام تلك الترتيبات بشكل مُتوازن وعادل .

تشير خبرات دولية في إدارة النزاعات البحرية ، كما ورد في دراسات صادرة عن مراكز مُختصة بقانون البحار والأمن الإقليمي إلى أن المناطق الحدودية الحساسة تتطلب منظومات تنسيق دقيقة ، تبدأ من تحديد واضح لمناطق النشاط المدني ، ولا تنتهي عند وجود قنوات أتصال فورية بين القوات المعنية لمنع أي تصعيد غير مُبرر ، كما تُؤكد تلك الدراسات أن الاستخدام غير المُنضبط للإجراءات الميدانية في مثل هذه البيئات قد يؤدي إلى نتائج عكسية ، ويقوّض الثقة المُتبادلة ، حتى في ظل وجود أتفاقات رسمية قائمة .

في الحالة العراقية ، تبدو الإشكالية أعمق من مُجرد حادث مُتكرر ، إذ تكشف عن خلل في إدارة هذا الملف السيادي ، سواء من حيث ضعف الحضور الميداني المنُظم ، أو من حيث محدودية تفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية المُتاحة ، فالدولة التي تمتلك وثائق ومُرتكزات قانونية واضحة ، يُفترض أن تُترجم ذلك إلى سياسات عملية تُحصن مواطنيها ، وتمنع تكرار مثل هذه الحوادث بدلاً من الاكتفاء بردود أفعال لاحقة .

إن المطلوب اليوم ليس التصعيد ، بل الانتقال إلى مستوى أعلى من إدارة الملف يقوم على الحزم القانوني والوضوح السيادي ، فالعراق لا يحتاج إلى إثبات حقه بقدر ما يحتاج إلى تفعيل هذا الحق ضمن آليات مؤسسية واضحة تبدأ من إعادة تنظيم عمل الصيادين ، وإرشادهم وفق خرائط دقيقة ، وتمر بتعزيز قُدرات المُراقبة البحرية ، ولا تنتهي عند تفعيل اللجان المُشتركة بطريقة أكثر فاعلية وشفافية ، بما يضمن معالجة أي احتكاك في حينه .

كما أن تفعيل المسارات الدبلوماسية والقانونية بشكل أحترافي ، سواء عبر القنوات الثنائية أو من خلال الأطر الدولية المُختصة ، يُعد خطوة ضرورية لإعادة ضبط هذا الملف ضمن سياقه الصحيح ، فالقانون الدولي لا يحمي من لا يُحسن أستخدامه ، والحقوق غير المُفعلة تتحول مع الوقت إلى نقاط ضعف بدل أن تكون عناصر قوة .

إن الحادث الأخير يجب أن يكون نقطة تحول في طريقة التعاطي مع هذا الملف ، لا مُجرد رقم يُضاف إلى سلسلة من الوقائع المُشابهة ، فهو يفرض على صانع القرار العراقي إعادة النظر في منهج إدارة الحدود البحرية ، والانتقال من سياسة الاحتواء المُؤقت إلى بناء أستراتيجية طويلة الأمد ، تُدار بعقل الدولة لا بردود الفعل .

أخيراً وليس آخراً .. إن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى الطبقة السياسية والحكومة المُقبلة هي أن صون السيادة لا يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات ، بل بإرادة سياسية تُترجم إلى مُؤسسات فاعلة ، وأدوات قانونية مُفعلة ، وإدارة مهنية للملفات الحساسة .

وإن حماية المواطن العراقي في مياهه ، وتثبيت حقوق العراق في ممراته الحيوية ، ليست خياراً سياسياً بل التزاماً سيادياً يفرض وضوحاً في الرؤية ، وحزماً في التنفيذ ، وأتزاناً في إدارة العلاقة مع الجوار ، فبين الانفعال والتراخي ، يتحدد المسار الحقيقي في بناء دولة قادرة على فرض أحترام حقوقها ضمن الأُطر القانونية الدولية ، دولة تُدير خلافاتها بثبات دون تنازل ، وتحمي مواطنيها بكفاءة دون أن تُضعف موقعها .

فالتحدي اليوم لا يكمن في توصيف ما حدث ، بل في منع تكراره عبر أدوات مُؤسسية فاعلة ورؤية أستراتيجية واضحة ، وبين ردود الفعل الآنية والتجاهل ، يبرز طريق الدولة الرصينة التي تُحسن صون حقوقها ، وتؤمّن مواطنيها ، وتُدير ملفاتها الحساسة بحكمة تليق بتاريخها ومكانتها ومسؤولياتها …!