إيران، الولايات المتحدة الأمريكية: من المنتصر؟!
ضياء المحسن ||

هناك قول مفاده بأن الهزائم الإستراتيجية ليست بالضرورة تولد على ساحات المعارك، حيث أنها غالبا ما تصنع في غرف القرار، يمكن الأخذ بهذا القول لتحليل الصراع الأمريكي ــ الإيراني، في محاولة لنقل الصراع من مستواه العسكري المباشر (حرب بالوكالة، ضربات متبادلة)، الى مستوى (صراع إرادات والحسابات السياسية).
ففي غرف القرار الأمريكي يتمثل فخ الأهداف غير المحددة، حيث الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة غالباً ما تُصنع عندما تفشل غرف القرار في واشنطن في تعريف النصر،
حيث نجد تدد الرؤى وانقسام بين تيار يريد تغيير النظام وتيار يريد تغيير السلوك وتيار يريد الاحتواء فقط، هذا التذبذب يصنع هزيمة استراتيجية؛ لأنه يستنزف الموارد العسكرية والمالية دون الوصول لنقطة حسم سياسية واضحة، بينما استراتيجية رد الفعل عندما يتم بناء القرارات في الغرف المغلقة بناءً على رد الفعل تجاه تحركات ايران، نجد أنها تفقد زمام المبادرة، الأمر الذي يجعل القوة العسكرية الضخمة مشلولة الفاعلية في تحقيق مكاسب جيوسياسية مستدامة.
على الجانب الأخر في غرف القرار الإيراني فيتمثل في فن إدارة حافة الهاوية، حيث تدرك إيران أن موازين القوى التقليدية تميل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فإن قراراتها تُصنع لتجنب المعركة الشاملة مع تحقيق مكاسب استراتيجية،
وهنا تعتمد إيران على إستراتيجية الصبر، من خلال إعتمادها على عامل الوقت في إصدار القرارات، ذلك أن الهزيمة الإستراتيجية لإيران تكون عندما تخطئ غرف القرار في تقدير الخطوط الحمراء الأمريكية،
الأمر الذي قد يجرها الى معركة مباشرة تنهي مشروعها الإقليمي، ومع هذا فإن إيران عملت على تحويل الضعف الى ورقة ضغط، خاصة الضغط الإقتصادي، من خلال التصعيد في الممرات الملاحية وحتى عن طريق حلفاء إيران في المنطقة، وهذا الأمر هو تطبيق لفكرة أن المعركة يتم إدارتها في الغرف؛ لإنتزاع اعتراف بالنفوذ وليس بالضرورة تدمير العدو عسكريا.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو: من أراد الحرب ومن صنعها؟
هذا السؤال يقودنا الى التفريق بين المحفز الذي أطلق الرصاصة الأولى، وبين المهندس الذي هيأ الظروف لتكون الحرب حتمية، فالمحفز (من أراد الحرب) ليس بالضرورة لديه رغبة بالصِدام الشامل،
بل لديه رغبة في تغيير الوضع القائم بالقوة، وهنا نجد أن تيارات الصقور في واشنطن تجد أن الحرب أو حتى التلويح الجدي بها، هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء الطموح النووي الإيراني، بالإضافة الى تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، ذلك أن حالة اللا حرب هي هزيمة استراتيجية، كونها تسمح لإيران بالتمدد، ولا نغفل هنا عن وجود أطراف إقليمية تجد في المواجهة الأمريكية الإيرانية مصلحة حيوية لإعادة توازن القوى الذي يشهد إختلالا منذ عام 2003، بالتالي فهي تدفع باتجاه حسم هذا الملف عسكريا للتخلص من التهديد المباشر.
أما من صنع الحرب، فهؤلاء مهندسون استراتيجيون، كون صناعة الحرب ليست قرارا لحظيا، بل هي مجموعة لقرارات تم اتخاذها في غرف القرار لسنوات سابقة.
عندما تتخذ غرف القرار في واشنطن قرارا بالإنسحاب من الإتفاقيات الدبلوماسية وفرض الضغط الإقليمي، فهي تعمل على صنع بيئة لا تترك للخصم خيارا سوى للتصعيد أو الإنكسار.
في المقابل فإن صناعة الحرب في ايران تتم من خلال تحويل ساحات المنطقة الى أوراق ضغط، فهي تربط أمن الملاحة الدولية أو استقرار دول الجوار بملف العقوبات، لكن هذا المسار الذي تصنعه يؤدي بالنتيجة الى الصدام، لكن المفارقة أن من يصنع الحرب ليس بالضرورة هو من يريدها، خاصة عندما يتخذ الوكلاء الميدانيين قراراً بالتصعيد الذي يجر الدول الكبرى لمواجهة لم تكن غرف القرار قد حددت توقيتها بعد
من هنا فإن الصراع الأمريكي الإيراني المنتصر الإستراتيجي فيه ليس بالضرورة يمتلك تكنولوجيا عسكرية دقيقة، بل من تمتلك غرف قرار تستطيع المحافظة على الهدوء النفسي والوضوح في الأهداف والقدرة على تحويل المنجز الى مكسب سياسي كبير، هذا من جهة، من جهة أخرى فإن من أراد الحرب في الغالب يسقط في فخ الهزيمة، لأن ارادته تكون مبنية على أوهام القوة، بينما من صنعها بذكاء (استدرج خصمه اليها في المكان والزمان الخاطئين) يمتلك فرصة أكبر لتحقيق مكاسب سياسية حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.




