بين حافة التصعيد وممرات التهدئة .؟
طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية ، تتجه العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران نحو منعطف أكثر تعقيداً بعد تعثر جولة المفاوضات الأخيرة في إسلام آباد ، وما تبعها من تصاعد في الخطاب السياسي والعسكري من الطرفين .
هذا التعثر لا يُفهم بوصفه فشلاً نهائياً للمسار التفاوضي ، بقدر ما يعكس عمق التباينات البُنيوية في الرؤى والمصالح ، وتداخل الملفات النووية والأمنية والاقتصادية ضمن مُعادلة تفاوضية شديدة التعقيد .
المؤشرات الأولية القادمة من دوائر القرار في واشنطن توحي بأن إدارة الرئيس “ترامب” تميل إلى إعادة تفعيل أدوات الضغط القصوى ، وعلى رأسها الحصار الاقتصادي ، بأعتباره خياراً أقل كُلفة من الانخراط العسكري المباشر ، وأكثر قابلية لتحقيق نتائج تدريجية ، إلا أن هذا الخيار رغم فاعليته النسبية في تضييق الخناق الاقتصادي لكنه لا يبدو كافياً بمفرده لدفع الأطراف لتقديم تنازلات جوهرية خاصة في ظل قدرة إيران على أمتصاص الضغوط عبر شبكاتها الإقليمية وشراكاتها الدولية .
في المقابل ، تبرز تحركات دولية موازية تضفي على المشهد مزيداً من التعقيد ، حيث تتزايد التقارير حول أستعداد الصين لتعزيز دعمها الدفاعي لإيران ، سواء عبر تزويدها بمنظومات دفاع جوي أو عبر توسيع التعاون العسكري التقني ، مثل هذه الخطوات إن تأكدت قد تُفسر في واشنطن كتحول نوعي في قواعد الاشتباك ، بما ينقل الأزمة من إطارها الثنائي إلى فضاء تنافس دولي أوسع ، تتقاطع فيه حسابات النفوذ مع أعتبارات الأمن العالمي وسلاسل الإمداد .
الأمر ذاته ينطبق على الدور الروسي ، إذ يسعى الرئيس “بوتين” إلى تقديم بلاده كوسيط قادر على إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض ، مُستفيداً من علاقاته المُتوازنة نسبياً مع كُل من طهران وواشنطن ، وقد جاءت أتصالاته مع الرئيس الإيراني “بزشكيان” في هذا السياق ، حاملةً رسائل تتضمن أستعداد موسكو لتقديم ضمانات عملية تخفف من حدة التوتر ، غير أن قبول وساطة كهذه يظل مرهوناً بمدى أستعداد الولايات المتحدة للانخراط في مسار لا تتحكم بمفاصله بشكل كامل ، وهو أمر لا يبدو مُتاحاً بسهولة في ظل مناخ سياسي داخلي يميل إلى التشدد .
في البُعد العسكري ، تكشف التسريبات الصادرة عن مراكز القرار ، بما فيها تقديرات مُتداولة داخل البنتاغون ، أن السيناريوهات المطروحة لم تعد تقتصر على الضربات الجوية المحدودة ، بل تشمل خيارات أكثر حساسية ، مثل تنفيذ عمليات نوعية تستهدف منشآت نووية مُحصنة ، أو حتى التفكير في نشر قوات برية محدودة للسيطرة على أهداف أستراتيجية .
هذه السيناريوهات رغم طابعها الافتراضي لكنها تعكس أنتقال التفكير الاستراتيجي من إدارة الأزمة إلى محاولة حسمها أو إعادة تشكيل توازناتها .
ضمن هذا السياق ، تبرز “جزيرة خارك” بوصفها هدفاً ذا أهمية أستراتيجية نظراً لدورها المحوري في تصدير النفط الإيراني ، فأن أي أستهداف مُباشر أو غير مُباشر لهذه الجزيرة قد يوجه ضربة أقتصادية قاسية لأيران ، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر ردود فعل غير تقليدية ، قد تشمل تهديد أمن الملاحة في الخليج أو توسيع نطاق الاشتباك عبر أدوات غير مُتماثلة .
هذه الاحتمالات تجد صداها في تقارير صادرة عن مراكز أبحاث مثل “مؤسسة راند” للأبحاث السياسية ، التي تُحذر من أن أي تصعيد غير محسوب قد يقود إلى ديناميكيات صراع يصعب أحتواؤها .
على الضفة الأخرى ، لا تبدو إيران في موقع المُتلقي السلبي ، إذ تشير المُعطيات إلى تعزيز دفاعاتها في مواقع حساسة مع التركيز على تطوير قُدراتها في الحرب غير المُتكافئة ، بما في ذلك أستخدام الألغام البحرية وتكثيف أنظمة الدفاع الجوي ، هذا النهج يعكس إدراكاً إيرانياً لطبيعة التفوق العسكري الأمريكي ، ومحاولة لتعويضه عبر رفع كُلفة أي تدخل مُحتمل ، وهو ما يتقاطع مع تقديرات صادرة عن مراكز دراسات أستراتيجية دولية ترى أن طهران تراهن على عامل الزمن وأستنزاف الخصم .
في الخلفية ، يظل العامل الإقليمي حاضراً بقوة ، حيث تتقاطع هذه الأزمة مع الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ، والتي أتخذت طابعاً مُركباً بفعل التداخل بين المُواجهات المُباشرة وغير المُباشرة ، فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل التوترات مع إسرائيل ، والضربات المُتبادلة في أكثر من ساحة ، ما يرفع من أحتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع .
ورغم قتامة المشهد ، لكن لا تزال الدبلوماسية تحتفظ بهامش وإن كان ضيقاً للمناورة ، فالتجارب السابقة تُشير إلى أن لحظات التصعيد القصوى غالباً ما تسبق أنفتاحات تفاوضية مُفاجئة ، مدفوعة بحسابات الكُلفة والمخاطر ، غير أن نجاح أي مسار تفاوضي مُستقبلي سيظل رهناً بقُدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة ، وتبني مُقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار توازنات القوة ، وليس فقط سقوف الخطاب السياسي .
ختاماً .. تبدو أن الأزمة الحالية أقرب إلى مُفترق طرق أستراتيجي ، حيث تتداخل أحتمالات التصعيد مع فرص التهدئة ضمن مُعادلة دقيقة فلا خيار من الخيارات المطروحة يبدو خالياً من الكُلفة ولا طرف يمتلك ترف الحسم السريع . وبين هذا وذاك ، تبقى المنطقة بأكملها أمام أختبار مفتوح على أحتمالات مُتعددة ، قد تعيد رسم قواعد الاشتباك ، أو تفرض معادلات جديدة لموازين القوة في الشرق الأوسط …!




