واشنطن وتل أبيب بين إنكار الاتفاق وصناعة الغدر..!
طه حسن الأركوازي ||

لم يعد المشهد الإقليمي يُدار بما يُعلن في المُؤتمرات الصحفية أو يُدون في البيانات الرسمية ، بل بما يجري خلف الكواليس من تفاهمات وصراعات خفية ، فخلف الهدوء الذي أعقب أتفاق وقف إطلاق النار ، تتكشف طبقات أعمق من التوتر ، خصوصاً في “مضيق هرمز”، حيث تتغير قواعد اللعبة بصمت ، بينما تتجه الأنظار إلى ما سيدور بين واشنطن وطهران في المفاوضات .
في الوقت الذي أعلنت فيه إيران فتح المضيق كبادرة حُسن نية ، لكن بشرط أن يكون هُناك تنسيق مُباشر مع بحرية الحرس الثوري الأيراني لمخاوف من وجود ألغام بحرية .
تشير القراءة الاستراتيجية إلى ما هو أبعد ، إذ تحوّل المضيق إلى ساحة أختبار لإرادة القوى الكُبرى ، وورقة ضغط مركزية في ظل الاعتداء الإسرائيلي على جنوب لبنان .
ورغم أن إيران قدمت عبر الوسيط الباكستاني ما عُرف بـ”الورقة الإيرانية”، والتي تضمنت بنوداً تتعلق بملفها النووي والعقوبات ومضيق هرمز ولبنان ، فإن الجدل تصاعد عندما أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن الورقة التي وصلته لم تكُن تتضمن أي إشارة إلى لبنان .؟
هذا التصريح لم يكُن مُجرد أختلاف في التوصيف ، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة صياغة مضمون الوثيقة بما يتلاءم مع حسابات داخلية في واشنطن .؟
لكن الأكثر إثارة للأنتباه كان التزامن اللافت بين هذا النفي ، ومنح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الضوء الأخضر لبدء عمليات عسكرية واسعة ضد لبنان ، بذريعة أستهداف عناصر “حزب الله” ، هذا التزامن دفع العديد من المُراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كان هُناك تفاهم غير مُعلن بين واشنطن وتل أبيب ، يسمح لإسرائيل بالتصعيد عسكرياً ، في وقت تتنصل فيه الإدارة الأمريكية من أي التزام يتعلق بلبنان .
في هذا السياق ، قام رئيس الوزراء الباكستاني “محمد شهباز شريف” بنقل الورقة الأيرانية شخصياً ، لكن سُرعان ما وجد نفسه في قلب العاصفة ، بعدما أكد أن الورقة الإيرانية تضمنت بنداً يتعلق بلبنان ، ما وضع واشنطن والرئيس “ترامب” أمام حرج سياسي ودبلوماسي ، ولم يثر هذا التصريح غضب الإدارة الأمريكية فحسب ، بل فتح الباب أمام تسُاؤلات دولية حول ما إذا كانت واشنطن قد تعمدت إخفاء جزء من مضمون الورقة ، أو إعادة تفسيره بما يخدم التحركات الإسرائيلية .
في المقابل ، كانت طهران تُراقب المشهد بدقة .
إيران التي ترى في التصعيد الإسرائيلي مُحاولة لفرض واقع جديد قبل أي مفاوضات مُحتملة ، جاءت ردودها حازمة مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تجاوزت العمليات الإسرائيلية خطوطاً مُعينة .
هذا التوتر أنعكس مُباشرة على “مضيق هرمز” ، الذي لم يعد مُجرد ممر للطاقة ، بل بات جُزءاً من مُعادلة الضغط المُتبادل .
فإيران ، التي تدرك حساسية المُضيق للاقتصاد العالمي ، توظفه كرسالة واضحة مفادها أن أي تصعيد في لبنان أو غيره ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة .؟
في المقابل ، تبدو واشنطن وكأنها تُدير المشهد بحذر ، فهي لا تسعى إلى مُواجهة مُباشرة مع إيران ، لكنها في الوقت ذاته لا تكبح التوسع العسكري الإسرائيلي .
هذا التوازن الهش يخلُق فجوة في الرواية الرسمية ويعزز فرضية وجود تفاهمات غير مُعلنة ، خاصة مع تسارع الأحداث بطريقة يصعب تفسيرها بالصدفة .
وقد تابع العالم بقلق تصريحات “شهباز شريف” التي بدت وكأنها تكشف ما حاولت واشنطن إخفاءه ، ليبقى السؤال مطروحاً في الأوساط الدبلوماسية وهو هل أخفت الإدارة الأمريكية بنداً يتعلق بلبنان ، أم أعادت تفسيره بما يخدم تحركات إسرائيل .؟
في كلتا الحالتين ، النتيجة واحدة هو دخول المنطقة مرحلة جديدة من الغموض والتعقيد الاستراتيجي .
ختاماً .. ومع أستمرار التوتر في لبنان ، وتشديد إيران قبضتها على “مضيق هرمز” ، ومحاولة واشنطن إعادة تشكيل بنود الاتفاق ، وترقب العواصم العالمية ، يبدو أن قواعد اللعبة تتغير فعلاً تحت السطح ، فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري ، بل مرآة لصراع أوسع، تتداخل فيه الحسابات النووية مع التحركات العسكرية ، وتتشابك فيه مصالح القوى الكُبرى مع خطوط النار المُمتدة من الخليج إلى المتوسط .
وفي ظل هذا المشهد ، يبقى السؤال مفتوحاً وهو هل كان لبنان جُزءاً من أتفاق غير مُعلن ، أم أن ما يجري هو نتاج تداخل مصالح وتقاطعات ظرفية .؟
قد لا تظهر الإجابة قريباً ، لكن من المؤكد أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة أكثر تعقيداً ، وأن ما يحدث في هرمز قد لا يكون سوى بداية لما هو أعمق وأخطر …!




