الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

حسن عبد الهادي العگيلي ||
كاتب وباحث في الشؤون السياسية

في معجم بغداد الشعبي، لا يحتاج المُقرْبازي إلى تعريف؛ فالناس تعرفه قبل أن تسمّيه، تحسّه في الطريقة التي يبتسم بها حين يكذب، وفي التوقيت الذي يختاره حين يضحك. هو ليس مجرد خادع، بل هو فنّان في انتقاء اللحظة المواتية لتمرير خديعته، يعرف متى تكون عيون الناس مشغولةً كي تمرّ يده في جيوبهم وهم يصفّقون.

نحن في الشهر الرابع من هذه السنة، ورواتب الشهر الثالث لم تُصرف بعد. مصرف الرشيد الحكومي، الذي يحمل اسم أحد ملوك بني العباس المتخمين بالجواري والذهب، يقف اليوم شاهداً على عوز قاتل؛

فالموظف ينتظر منذ ثلاثين يوماً ما يسدّ به رمقه، والمتقاعد يقف على أعتاب فروعه بقدمين تعبتا من عمر استهلكته الدولة في أوج عطائه، ثم أدارت له ظهرها حين انتهت حاجتها منه، فصار في مخيلتها عبئاً ثقيلاً لا مواطناً له حقوق.

ثم جاء الفرج — لا من خزينة الدولة، بل من ملعب كرة القدم. فاز المنتخب، وفرح الناس فرحاً بريئاً حقيقياً، ذلك الفرح الذي لا يعرف كيف يُستغلّ ولا يتوقع أن يُوظَّف.

وما إن صفّقت الملاعب حتى أعلنت الحكومة عطلة رسمية تتصل بالجمعة والسبت، في توقيت يحمل بصمة المُقرْبازي ذاتها؛ فتمتد الأيام فارغةً، ويغدو السؤال عن الراتب ضرباً من تنغيص البهجة الوطنية، ومن يجرؤ على المطالبة بحقه وسط الأعلام والأناشيد؟

هذا هو الفن الحكومي في أبهى تجلّياته: لا تحلّ المشكلة، بل أوجد ما يحجبها. لا تصرف الراتب، بل احتفل بالهدف. لا تعترف بالعجز المصرفي، بل أعلن العطلة. والبسطاء — وهم دائماً الضحايا الأوائل — لا يدركون أن ابتسامة رئيس الحكومة وهو يهنّئ المنتخب هي الوجه الآخر لصمته المُريب عن مصرف الرشيد.

لم يخترع هذا الأسلوب أحد من فراغ؛ فتاريخ المنطقة حافل بحكام أشعلوا الملاعب حين أرادوا إطفاء الشوارع. غير أن الجديد هذه المرة أن الخديعة باتت أكثر وقاحةً في توقيتها وأشدّ استهانةً بعقول الناس، كأن القائمين عليها لم يعودوا يكترثون حتى بإخفاء الخيط الرابط بين الفوز المُحتفى به والراتب المحتجز. ربما لأنهم يعرفون أن الذاكرة الجمعية قصيرة، وأن فرحة المنتخب تكفي لأسبوع، وبعدها سيأتي حدث آخر، وتصريح آخر، وعطلة أخرى.

لكن البغداديين الذين ابتكروا كلمة “مُقرْبازي” لم يبتكروها لينسوها؛ ابتكروها ليحفظوا في لغتهم اليومية ذاكرة الخداع، حتى لا يُفاجأ بهم أحد مرتين. ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس متى تُصرف الرواتب، بل: حتى متى يظل مُقرْبازي القصر يجلس على كرسي القرار، وعيون الناس مشغولة بالكرة حيناً، والأمطار حيناً، والكهرباء أحياناً كثيرة؟