نتنياهو يقود وترامب يدفع الثمن: من يتحكم بقرار الحرب .؟ّ!
طه حسن الأركوازي ||

في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول ، لا تُقاس خطورة المشهد بما يظهر إلى العلن ، بل بما يتسرّب من داخل دوائر صنع القرار ، حيث تتحوّل التقارير الاستخبارية من أدوات تحليل إلى مؤشرات إنذار مبكر ، وفي هذا السياق تكشف التقاطعات بين ما تنشره الصحف الأمريكية والغربية ، إلى جانب ما تورده وكالات الأنباء الدولية ، وفي مقدمتها “واشنطن بوست” عن صورة أكثر تعقيداً إذ تشير تقاريرها :
إلى أن “حلفاء الخليج” كانوا يُمارسون ضغوطاً على إدارة الرئيس “ترامب” لمواصلة الحرب بهدف إضعاف إيران بصورة حاسمة .
وتتلاقى هذه المعطيات مع ما نشرته “وكالة أسوشيتد برس “و”وكالة رويترز” ، فضلاً عن تقارير صادرة عن مراكز دراسات أستراتيجية ، لتؤكد جميعها تصاعد القلق داخل المُؤسسات الأمريكية من الانزلاق نحو صراع مفتوح في الشرق الأوسط ، في وقت تتزايد فيه مُؤشرات الانقسام السياسي والضغط الشعبي داخل الولايات المتحدة .
وتُظهر هذه التقارير بوضوح أن قرار الحرب لم يعد محل إجماع حتى داخل الدوائر الأمنية نفسها : إذ حذّر مسؤولون سابقون من غياب تهديد مُباشر يُبرر التوسع العسكري ، ومن مخاطر تحوّل المواجهة إلى نزاع طويل ومُكلف قد لا يخدم المصالح الأمريكية ، بل قد يُرهقها استراتيجياً واقتصادياً على المدى البعيد .؟
وبالتوازي مع ذلك ، تكشف تحليلات مراكز التفكير عن مفارقة لافتة في سلوك الإدارة الأمريكية : إذ إن الرئيس “ترامب” وصل إلى السلطة رافعاً شعار إنهاء “الحروب الأبدية”، لكنه سرعان ما وجد نفسه في قلب مُواجهة قد تُعيد إنتاج هذه الحروب بصورة أكثر تعقيداً في ظل تأثيرات مُتشابكة يتقدمها دور “نتنياهو” ، إلى جانب الضغوط الخليجية التي ساهمت في دفع مسار الأحداث نحو مزيد من التصعيد .
وتأتي هذه التحولات في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تداعيات أقتصادية وسياسية داخلية مُتزايدة ، ما يُعقد حسابات القرار ، ويجعل كُلفة الاستمرار في التصعيد أعلى من كلفة التراجع المدروس ، ومن هنا فإن ما يُتداول عن رسائل وتحذيرات صادرة من داخل المنظومة الاستخبارية الأمريكية إلى الرئيس “ترامب” بشأن ضرورة تجنّب الغرق في مستنقع صراعات مُمتدة لا يمكن قراءته كخبر عابر ، بل بوصفه مُؤشراً على أقتراب لحظة حاسمة تتقاطع فيها حسابات الحرب مع ضغط الشارع ، وتتشابك فيها أعتبارات الاقتصاد مع رهانات البقاء السياسي .
المشهد الأمريكي اليوم يقف على حافة توازن هش ، فالتصعيد العسكري في الخارج لم يعد ملفاً مُنفصلاً عن الداخل ، بل أصبح جُزءاً من مُعادلة الضغط السياسي والاجتماعي . والتحذيرات من تظاهرات قد تكون الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة تعكس مُستوى الاحتقان الشعبي ، ليس فقط رفضاً للحرب ، بل خشيةً من تداعياتها الاقتصادية والمعيشية . وتجارب الولايات المتحدة ، من فيتنام إلى العراق ، تؤكد أن الشارع حين يصل إلى نقطة الغليان يتحول إلى عامل ضاغط يُعيد صياغة القرار السياسي ، وربما يفرض مسارات لم تكن في الحسبان .
أقتصادياً ، لا يُمكن فصل الحرب عن كلفتها الثقيلة ، فالتقارير الصادرة عن مؤسسات مالية دولية تشير إلى أن النزاعات المُمتدة تسهم في تعميق العجز المالي ، ورفع معدلات التضخم ، وإضعاف ثقة الأسواق ، وفي ظل أقتصاد عالمي مُترابط ، فإن أي أضطراب في مناطق الطاقة أو الممرات الحيوية سينعكس مُباشرة على الداخل الأمريكي ، ما يمنح خصوم الإدارة ، خاصة داخل الحزب الديمقراطي ، فرصة لتأطير الحرب بأعتبارها سبباً مُباشراً في التراجع الاقتصادي ، وأستخدامها كأداة ضغط سياسية تهدد مستقبل الرئيس “دونالد ترامب” نفسه .
غير أن البُعد الأكثر تعقيداً يكمن في تداخل المصالح بين الحلفاء ، فثمة قراءة مُتنامية في الأوساط السياسية ترى أن “نتنياهو” يدفع دائماً بأتجاه أستمرار التصعيد مدفوعاً بحسابات داخلية تتعلق “ببقائه السياسي” ، وهو ما يضع واشنطن أمام أختبار دقيق :
هي هل تُدار الحرب وفق أولويات أمريكية خالصة ، أم ضمن إيقاع يفرضه حليف لديه حساباته الخاصة .؟
هنا تتجلى أهمية الفصل بين التحالف كخيار أستراتيجي ، والانخراط غير المشروط في أجندات قد لا تتطابق مع المصلحة الوطنية .
في المقابل ، لا تزال نافذة الحلول مفتوحة ، وإن كانت تضيق مع مرور الوقت ، فالحراك الدبلوماسي الذي تقوده أطراف إقليمية ودولية يعكس إدراكاً مُتنامياً بخطورة الانزلاق نحو مواجهة شاملة ، فالمبادرات التي طُرحت من قبل الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” ، والتركي “رجب طيب أردوغان” ، إلى جانب وساطات أخرى تمثّلها باكستان ، تشكّل مُحاولة لبلورة مخرج سياسي يحفظ توازن المصالح ويحول دون الانفجار الأكبر ، وهذه المُبادرات لا تعني بالضرورة تنازلاً ، بل قد تُمثل فُرصة لإعادة التموضع ، وتقليل الخسائر ، وأستعادة زمام المُبادرة قبل فوات الأوان .
إن القيادة السياسية ، في جوهرها لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب ، بل بأمتلاك الشجاعة لإنهائها في اللحظة المناسبة ، والتاريخ الأمريكي نفسه حافل بمحطات كان فيها التراجع التكتيكي مُقدمة لإعادة ترتيب الاستراتيجية ، وليس علامة ضعف ، وفي ظل المُعطيات الحالية ، فإن الاستمرار في التصعيد يحمل مخاطر مفتوحة ، ليس أقلها أحتمال الانزلاق إلى أزمة داخلية مُركبة تتقاطع فيها الاحتجاجات مع الضغوط الاقتصادية والانقسام السياسي .
ختاماً .. إن لحظة القرار لم تعد ترفاً سياسياً ، بل ضرورة أستراتيجية ، فالتحذيرات الاستخبارية ، وتصاعد الغضب الشعبي ، والضغوط الاقتصادية ، جميعها تشير إلى أن كُلفة الاستمرار في الحرب قد تتجاوز بكثير كُلفة إنهائها ، ومن هنا فإن الانفتاح على الوساطات ، والتواصل المباشر مع القادة الإقليميين ، وإعادة تقييم مسار التحالفات ، تُمثل خطوات واقعية لتفادي سيناريوهات أكثر تعقيداً .
إن الفصل بين مصلحة الدولة ومصالح الحُلفاء هو جوهر القرار السيادي ، وفي عالم سريع التحولات لا يُقاس النجاح بقُدرة الدول على خوض المعارك فحسب ، بل بقدرتها على أختيار المعارك التي تستحق أن تُخاض ،وتلك التي يجب أن تُنهى قبل أن تتحول إلى عبء أستراتيجي يُهدد الداخل الأمريكي قبل خارجه …!




