الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، تقف الذاكرة السياسية العراقية والعربية أمام تجربة كبرى لا يجوز اختزالها لا في الموقف الأيديولوجي منها ولا في الخلافات التي أحاطت بها عبر العقود،

فهذه المناسبة ليست مجرد محطة حزبية عابرة، بل هي لحظة لاستذكار تاريخ حافل بالنضال والتضحيات، واستحضار أجيال من المناضلين والشهداء الذين حملوا أفكارهم بصدق، ودافعوا عما رأوه طريقا للعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، وواجهوا القمع والاستبداد ودفع كثير منهم أثمانا باهظة من حرياتهم وأعمارهم ودمائهم.

إن التحية في هذه الذكرى تذهب أولا إلى الحزب نفسه بوصفه جزءا مهما من تاريخ الحركة السياسية الحديثة، وتذهب أيضا إلى مناضليه وشهدائه، وإلى كل الذين جعلوا من العمل السياسي معنى أخلاقيا يرتبط بقضايا الفقراء والمحرومين والكادحين، لا مجرد طريق إلى السلطة أو الامتياز.

كما تذهب التحية إلى ذلك الرصيد الفكري والسياسي الذي أسهمت به الماركسية في فهم التاريخ والاقتصاد والمجتمع، وإلى الأسماء الكبرى التي صنعت هذا الأفق المعرفي، من كارل ماركس وفريدريك إنجلز إلى لينين وسائر المفكرين الماركسيين الذين كان لهم دور علمي وسياسي بارز في تفسير آليات الصراع الاجتماعي، وفي كشف علاقات الاستغلال، وفي إسناد نضالات الشعوب ضد الاستكبار العالمي والعبوديات المحلية بمختلف أشكالها القديمة والحديثة.

وليس من الإنصاف أن يُنظر إلى هذه التجربة بعين واحدة، لأن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بما قدمته من إسهامات كبرى في الوعي الإنساني، حتى من خارج الانتماء إليها. فليس ضروريا أن يكون المرء ماركسيا لكي يدرك أهمية التحليل الماركسي للرأسمالية، أو عمق الإسهام الماركسي في فهم التفاوت الطبقي، أو القيمة التاريخية للنضالات التي ألهمتها هذه المدرسة الفكرية في أنحاء العالم. إن احترام هذا الإرث لا يعني التطابق معه، كما أن نقده لا يعني إنكار ما فيه من عناصر قوة وعبقرية وتأثير.

غير أن هذه الذكرى تتيح في الوقت نفسه فرصة للتفكير الهادئ في مآلات الأحزاب الأيديولوجية عموما، وفي الحدود التي وصلت إليها الصيغ الحزبية التقليدية التي تأسست على يقينيات كبرى وشعارات شاملة، ثم وجدت نفسها مع الزمن أمام مجتمعات أكثر تعقيدا، ودولا أكثر تشابكا، وأسئلة جديدة لم تعد الأجوبة القديمة تكفي لمعالجتها. لقد أظهرت التجارب أن الأحزاب التي تبقى أسيرة العقيدة المغلقة، مهما كانت نبل مقاصدها الأولى، تتعرض مع الزمن إلى التكلس، أو إلى الانفصال عن الواقع، أو إلى العجز عن تجديد أدواتها ومفاهيمها ولغتها ووظيفتها العامة.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تحول تاريخي في بنية العمل الحزبي، انتقالا من الأحزاب الأيديولوجية الصلبة إلى أحزاب حضارية خدمية، يكون معيارها الأول هو ما تقدمه للإنسان والمجتمع والدولة من كفاءة وخدمة وبناء وتنمية وعدالة، لا مقدار ما تردده من شعارات كبرى أو ما تحتفظ به من نصوص مرجعية مقدسة حزبيا.

فالحزب الحضاري الخدمي لا يلغي الفكرة، لكنه يحررها من الجمود، ولا يهمل القيم، لكنه يحولها إلى برامج ومؤسسات وإنجازات، ولا يتخلى عن السياسة، لكنه يربطها بالمصلحة العامة لا بالولاء العقائدي المغلق.

إن المستقبل لا يحتاج إلى إلغاء التاريخ، بل إلى الاستفادة منه. ولا يحتاج إلى شطب الأحزاب التي صنعت ذاكرة النضال، بل إلى دفعها نحو مراجعة نفسها والانتقال إلى أفق جديد ينسجم مع حاجات المجتمع والدولة في هذا العصر. وفي هذا المعنى، فإن أفضل وفاء للتجارب الكبرى ليس تكرارها كما هي، بل تطويرها وتجاوز حدودها، والانتقال من منطق التعبئة الأيديولوجية إلى منطق البناء الحضاري، ومن صراع الهويات المغلقة إلى التنافس في خدمة الناس، ومن احتكار الحقيقة إلى الشراكة في صناعة المستقبل.

تحية للحزب الشيوعي في ذكرى تأسيسه، وتحية لمناضليه وشهدائه، وتحية لذلك الجهد الفكري والسياسي الكبير الذي أسهم في تكوين الوعي الحديث بقضايا العدالة والتحرر، مع الاحتفاظ بحق التفكير الحر، وحق الاختلاف، وحق القول إن الزمن يدعونا اليوم إلى طور جديد من العمل العام، طور تكون فيه الأحزاب أكثر اقترابا من الإنسان، وأكثر انشغالا بالعمران، وأكثر قدرة على التحول إلى أدوات حضارية خدمية تبني الدولة والمجتمع والمستقبل.