الامام الخميني (الرمال كانت مأمورة) عملية مخلب النسر.. حين “تاه” الجنود الأمريكيون في صحراء ايران..!
متابعة ـ د. محمود الهاشمي ||

31/3/2026
عندما سقط نظام الشاه مطلع عام 1979، كانت الولايات المتحدة أمام واقع استراتيجي جديد في الشرق الأوسط. فإيران، التي وُصِفَت لسنوات بأنها أحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، تحوَّلت فجأة إلى دولة معادية تحت قيادة نظام ثوري. وسرعان ما تصاعد التوتر بين الطرفين، ثم بلغ ذروته عندما سمح الرئيس الأمريكي حينها جيمي كارتر للشاه المخلوع بدخول الولايات المتحدة لتلقي العلاج من السرطان؛ إذ أثار هذا القرار موجة غضب في طهران، ورأى فيه كثير من الثوار إشارة مقلقة، وخشوا أن يكون مقدمة لمحاولة أمريكية جديدة لإعادة الشاه إلى السلطة عبر انقلاب آخر.
بناء على ذلك، لم يكن الاقتحام في بدايته عملية تهدف إلى احتلال طويل الأمد للسفارة، ولم يكن مخططًا له أن يستمر لمدة 444 يوما كما حدث لاحقًا، بحسب ما يذكره الكاتب والمؤرخ الأمريكي مارك بودن في كتابه “ضيوف آية الله”، بل خُطط له بوصفه احتجاجا رمزيا على قرار الولايات المتحدة استقبال الشاه. ولكن المشهد تغيَّر سريعًا بعد دخول الطلاب المبنى الإداري الرئيسي للسفارة، حيث عثروا في طابقه الثاني على أكوام من الوثائق الممزقة التي خلَّفتها آلات التقطيع، وهو ما اعتبروه دليلا على وجود مؤامرة أمريكية كانت بصدد التنفيذ.
ووفقًا لبودن، تغيَّرت أهداف الاقتحام منذ تلك اللحظة، حيث تحوَّل من احتجاج رمزي إلى عملية بحث محموم عن أدلة تُثبت تدخل واشنطن في شؤون إيران ومساعيها لإجهاض الثورة. وكان هاشمي ومجموعته من الذين بدأوا بجمع القصاصات الورقية ومحاولة إعادة تركيبها، إلى جانب تعبئة الوثائق السليمة في صناديق، تمهيدًا لنقلها وفحصها خارج المبنى.
ومع العمل على الوثائق، تكشَّفت طبيعتها تدريجيا، إذ عثر الطلاب بينها على سجلات تعود لعقود مضت، وتُظهر طبيعة العلاقة الوثيقة بين السفارة الأمريكية ونظام الشاه، إضافة إلى ملفات بيوغرافية لعدد من الشخصيات الإيرانية. كما كشفت بعض البرقيات التي لم تُدمَّر عن هويات ضباط في وكالة الاستخبارات المركزية يعملون تحت غطاء دبلوماسي، فضلًا عن اتصالات أجرتها السفارة مع صحفيين وشخصيات سياسية داخل إيران.
“وصف الصحفي المصري محمد حسنين هيكل السفارة بأنها كانت العصب الرئيسي للتحكم في المنطقة، ومخفر شرطة يحمي نظام الشاه ويضمن تدفق النفط ويدير المواجهة مع السوفييت”.
يخالف هذا الطرح الصحفي المصري محمد حسنين هيكل في كتابه المنشور باللغة الإنجليزية “إيران، قصة لم تُروَ”؛ إذ يرى أن الاقتحام لم يكن ردا عفويا على دخول الشاه إلى الولايات المتحدة، بل ارتبط أيضًا بمعلومات حصلت عليها القيادات الثورية من داخل السفارة نفسها. فبحسب رواية هيكل، كان هناك مصدر داخل السفارة يُعرف باسم “حافظ”، سرَّب برقيات سرية متبادلة بين واشنطن وطهران. وقد أشارت تلك البرقيات إلى أن فكرة استقبال الشاه في الولايات المتحدة كانت مطروحة منذ أغسطس/آب 1979، وهو ما عزز لدى الثوار الاعتقاد بأن القرار لم يكن مجرد استجابة إنسانية لحالته الصحية، بل جزءًا من ترتيبات أوسع تمهد لعودة الشاه إلى السلطة.
ويصف هيكل السفارة بأنها كانت “العصب الرئيسي” للتحكم في المنطقة، ولم تكن مجرد بعثة دبلوماسية، بل كانت بمثابة “مخفر شرطة” يحمي نظام الشاه لضمان تدفق النفط ومواجهة السوفييت، مشيرًا إلى أن المجمع كان بمثابة “وكر للتجسس” في نظر الإيرانيين، حيث أُديرت منه عملية إسقاط محمد مصدق عام 1953.
خطة معقدة في صحراء طبس
استمر احتجاز الرهائن من نوفمبر/تشرين الثاني 1979 إلى يناير/كانون الثاني 1981. وفي هذه الأثناء، حاولت الولايات المتحدة إطلاق سراح رعاياها باستخدام طيف واسع من الوسائل؛ بدءا من الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية وصولا إلى الوساطات الدولية. غير أن هذه الجهود لم تكن تسير بمعزل عن التفكير في خيار القوة. فمنذ الأيام الأولى للأزمة أبقت واشنطن على احتمال اللجوء إلى حل عسكري مطروحا ضمن حساباتها، تحسبا لفشل المسارات السياسية والدبلوماسية.
وقد طُرح خيار العمل العسكري بالفعل بعد يومين فقط من اقتحام السفارة، وتحديدا في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، حسبما يذكر الميجور بيتر باك ضابط مشاة البحرية الأميركية في دراسته المعنونة: “محاولة إنقاذ الرهائن في إيران”، حين اتصل مستشار الأمن القومي “زبيغنيو بريجينسكي” بوزير الدفاع هارولد براون، لتوجيه هيئة الأركان المشتركة إلى البدء في إعداد خطط أولية لعملية إنقاذ محتملة.
“بعد يومين فقط من اقتحام السفارة، اتصل مستشار الأمن القومي بريجينسكي بوزير الدفاع هارولد براون، لتوجيه هيئة الأركان المشتركة إلى البدء في إعداد خطط أولية لعملية إنقاذ محتملة”.
استمرت مرحلة الإعداد والتخطيط لهذه العملية نحو خمسة أشهر، وشملت تدريبات للطواقم الجوية وسلسلة من “البروفات” الكاملة لمحاكاة ظروف المهمة الفعلية. وخلال هذه الفترة وقع الاختيار على “قوة دلتا” لتنفيذ مهمة الاقتحام داخل طهران، وهي وحدة نخبة سرية تابعة للجيش الأميركي متخصصة في مكافحة الإرهاب وعمليات تحرير الرهائن، أنشئت عام 1977 لتكون على غرار “القوة الجوية الخاصة” (SAS) البريطانية.
وتوضح المصادر أن هذه التدريبات استمرت نحو خمسة أشهر ونصف شهر، بهدف اختبار مختلف السيناريوهات العملياتية، قبل أن يصدر الرئيس الأمريكي كارتر الأمر النهائي بتنفيذ العملية تحت اسم “مخلب النسر”، في 24 أبريل/نيسان 1980. وقبل هذا الموعد بنحو ثلاثة أسابيع، أرسلت بعثة استطلاع ميدانية سرية داخل إيران، قادها الرائد جون كارني؛ حيث هبط في موقع هبوط صحراوي سري في صحراء طبس، شمال شرقي إيران، بهدف أخذ عينات من التربة للتأكد من صلاحية الموقع لهبوط الطائرات الثقيلة، كما ركب أضواء تعمل بالأشعة تحت الحمراء لتكون علامات توجيه للطائرات القادمة ليلا.
وعلى المستوى الاستخباري، استند المخططون إلى معلومة محورية جاءت من طباخ في السفارة كان قد أطلق سراحه، إذ أكد للمخابرات الأمريكية أن الرهائن محتجزون بشكل مركزي داخل مجمع السفارة، وليسوا موزعين على مواقع متعددة مجهولة. وعلى هذا الأساس، صممت عملية الإنقاذ كي تنفذ على ليلتين.
في الليلة الأولى، كان من المفترض أن تنطلق ست طائرات نقل عسكرية من طراز “سي-130” (C-130)، بالتزامن مع إقلاع ثماني مروحيات من على متن حاملة الطائرات نيميتز المتمركزة في بحر العرب. وكان من المخطط أن تلتقي الطائرات والمروحيات في نقطة الهبوط الصحراوية التي حددها كارني. وهناك، تزود المروحيات بالوقود وتنقل عناصر “قوة دلتا” من طائرات النقل إلى المروحيات، قبل أن تتجه هذه الأخيرة إلى موقع اختباء جبلي قريب من طهران، حيث يمكث أفراد القوة طوال النهار بعيدا عن الأنظار انتظارا للمرحلة التالية من العملية.
أما في الليلة الثانية، فكان يفترض نقل القوة سرا من موقع الاختباء داخل طهران بواسطة شاحنات يوفرها عملاء للمخابرات الأمريكية. وهناك، تتولى القوة اقتحام مبنى السفارة وتحرير الرهائن، بينما توفر طائرات الهجوم الأرضي “إيه سي-130″ (AC-130) غطاء جويا للعملية.
وبعد تحرير الرهائن، خطط لنقلهم بواسطة المروحيات إلى قاعدة جوية على بعد نحو 56 كيلومترا جنوب طهران. وكانت القاعدة في الأصل مهبطا مهجورا مرصوفا بالأسفلت. وكان من المقرر أن تتولى قوة قوامها نحو 100 جندي من قوات النخبة التابعة لـ”فوج الرينجرزالـ75” السيطرة على القاعدة لتكون نقطة التجمع النهائية لعملية الإخلاء، حيث يجري استقبال الرهائن وعناصر “قوة دلتا”، ثم نقلهم إلى طائرات نقل عسكرية من طراز “سي-141” (C-141) لإخراج الجميع من إيران. كما كلف الرينجرز بتدمير الطائرات والمعدات المتبقية في الموقع، بما في ذلك المروحيات، قبل مغادرتهم في المرحلة الأخيرة من العملية
انكسار “مخلب النسر”
لكن ليلة التنفيذ شهدت تراكم المشكلات منذ دخول القوات الأمريكية أجواء إيران وهبوطها في الموقع المحدد. وفور هبوط أول طائرة نقل، فوجئت القوة الأمريكية بحافلة إيرانية تقل 44 راكبا تمر على الطريق الذي يشق موقع الهبوط، فجرى احتجاز ركابها. وبعد ذلك بقليل، اقتربت شاحنة وقود من الموقع ورفض سائقها التوقف، فأطلق الأمريكيون عليها صاروخا مضادا للدبابات أدى إلى انفجارها واشتعال النيران فيها، في مشهد أضاء الصحراء لأميال. ومع ذلك، تمكن السائق من الفرار عبر شاحنة أخرى كانت تسير خلفه.
في الوقت نفسه بدأت المروحيات المخصصة للعملية تتساقط من الخطة واحدة تلو الأخرى. فقد اضطرت المروحية رقم 6 إلى الهبوط اضطراريا في الصحراء، بعد ظهور مؤشر على وجود صدع في ريشة المروحة، ما أدى إلى التخلي عنها. أما المروحية رقم 5، فقد ضلت طريقها داخل عاصفة ترابية كثيفة عطلت أجهزة الملاحة، فقرر قائدها العودة إلى حاملة الطائرات. بينما وصلت المروحية رقم 2 إلى موقع الهبوط وهي تعاني فشلا في النظام الهيدروليكي، الأمر الذي جعلها غير صالحة لاستكمال المهمة.
“بعد إلغاء عملية مخلب النسر تحول الانسحاب من صحراء إيران إلى كارثة للأمريكيين”.
هكذا لم يتبق سوى 5 مروحيات صالحة للعمل من أصل 8 مروحيات. وبما أن الخطة كانت تتطلب ست مروحيات على الأقل لمواصلة العملية، رفض العقيد تشارلي بيكويث، قائد قوة الاقتحام، تقليص حجم القوة المهاجمة. وبناء على ذلك، وافق الرئيس كارتر على إلغاء المهمة والانسحاب فورا.
غير أن الانسحاب نفسه سرعان ما تحول إلى كارثة. فأثناء إعادة التمركز استعدادا للإقلاع، تسببت سحابة الغبار الكثيفة التي أثارتها محركات إحدى المروحيات في حجب الرؤية عن الطيار، ما أدى إلى اصطدامه بطائرة تزود بالوقود من طراز “إيه سي-130″، وهو ما أسفر عن انفجار أدى إلى مقتل ثمانية عسكريين أمريكيين، بينهم خمسة من القوات الجوية وثلاثة من مشاة البحرية (المارينز). وتحت هذا الضغط، بادرت القوة بالانسحاب على عجل، تاركة خلفها جثث زملائهم وخمس مروحيات سليمة، إضافة إلى وثائق شديدة السرية بقيت داخل المروحيات.
عندما غرق كارتر في رمال إيران
أما على المستوى السياسي، فقد أضرت أزمة الرهائن بشعبية كارتر، الذي تبنى ما عرف في الإعلام الأمريكي بـ “استراتيجية حديقة الورد”، أي إعطاء الأولوية للبقاء في البيت الأبيض والحد من التحركات الانتخابية، مفضلاً الظهور بوصفه رئيساً منشغلاً بإدارة أزمة وطنية كبرى بدلاً من خوض حملة انتخابية تقليدية عبر الولايات. وقد اتخذ كارتر هذا النهج منذ أواخر عام 1979، مبرراً ذلك بأن تحرير الرهائن يمثل أولوية قصوى تتقدم على أي اعتبار آخر.
لكن هذا الخيار حمل أثرا سياسيا مزدوجا. فمع مرور الوقت، ارتبط مستقبل كارتر في البيت الأبيض بمصير الرهائن. ومع استمرار الاحتجاز لأشهر طويلة دون حل حاسم، بدأ كثير من الأمريكيين ينظرون إلى الأزمة بوصفها دليلاً على ضعف الإدارة الأمريكية في مواجهة التحديات الخارجية.
ثم جاء فشل عملية الإنقاذ العسكرية ليعمق هذا الانطباع ويتسبب في تدني شعبية كارتر، وهو ما استغله منافسه الجمهوري رونالد ريغان في حملته الانتخابية، مقدماً نفسه بوصفه القادر على استعادة قوة وهيبة الولايات المتحدة في السياسة الدولية، ما أدى إلى خسارة كارتر المذلة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1979.
أما المفارقة الأقسى بالنسبة لكارتر وحزبه فقد جاءت لاحقًا، عندما أُفرج عن الرهائن أخيرًا في 20 يناير/كانون الثاني 1981، فور أداء ريغان اليمين الدستورية رئيسًا للولايات المتحدة (على خلفية اتفاق الجزائر الذي نص على الإفراج عنهم مقابل تحرير أموال إيرانية مجمدة). وفي إيران، تشير المصادر إلى أن هاشمي ورفاقه أدركوا خطأ إبقاء الرهائن في مكان واحد فور علمهم بفشل العملية، لذلك أمروا بنقل الرهائن وتوزيعهم على مواقع سرية ومدن مختلفة داخل إيران، لضمان استحالة العثور عليهم أو تحريرهم في عملية عسكرية واحدة.
فضلًا عن ذلك، قُدِّم فشل العملية داخل إيران بوصفه علامة على التدخل الإلهي؛ إذ اعتبر آية الله الخميني ما جرى دليلًا على حماية سماوية للثورة، وذهب إلى القول إن “الرمال كانت مأمورة من الله”. كما عُرِضَت بقايا الطائرات وجثث الجنود الأمريكيين في وسائل الإعلام، في مشهد حمل قدرًا كبيرًا من الإذلال الرمزي لواشنطن.




