قال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ﴿النساء: 84﴾.
في أكثر من مقالة سابقة ذكرنا أن الخطاب القرآني للنبي (ص) لا يقتصر عليه، بل هو خطاب لكل مؤمن يستجيب لأمر الله ويطيعه، إلا إذا جاء الدليل على أن الخطاب خاصٌّ به (ص).
والآية التي بين أيدينا من هذا القبيل، فإنها تأمر النبي (ص) أن يقاتل المعتدين والظالمين، وأن يقوم إلى تكليفه في الدفاع عن الدين والمؤمنين، حتى لو تثاقل بعض الناس أو تخلّفوا عن أداء تكليفهم في هذا الشأن. فهو مسؤول عن نفسه، ولا يُحاسَب على تقصير غيره، فواجبه أن يمضي في أداء ما أمره الله به، سواء استجاب الناس أم لا، بل عليه أن يحرِّضهم ويحثهم على القتال، ويعبِّئهم روحيًّا ومعنويًّا، وأن يشحذ هممهم، ويبيّن لهم مخاطر القعود عن القيام إلى واجبهم المقدّس.
إذن، هذا هو تكليف النبي، وهو أيضًا تكليف كل قائد ربّاني، وعليه أن ينهض إليه، وألّا ينتظر أن يجتمع الناس، كلّ الناس، حوله أو يمضوا معه، إذ لو فعل ذلك لما تقدّم خطوة إلى الأمام، ولأمكن للأعداء أن يسيطروا على البلاد كلّها، إذ لا توجد نهضة في التاريخ انطلقت بها جماعة كبيرة، واحتشد لها في بداياتها عدد ضخم من الأنصار والجنود، بل دائمًا تبدأ بفرد ينهض إلى واجبه، ثم يلتحق به فرد ثانٍ، ثم يلتحق بهما ثالث، فرابع، وهكذا حتى يلتحق بهم الناس أفواجًا.
الآية تشتمل على حكم اجتماعي مهم يخصّ القادة، ويدعوهم إلى التزام الرأي الحازم والعمل الجاد في طريقهم ومسيرتهم نحو الهدف المقدّس الذي يعملون ويدعون من أجله، حتى لو لم يجدوا من يستجيب لدعوتهم، لأن استمرار الدعوة غيرُ مشروطٍ باستجابة الآخرين لها.
وأيّ قائد لا يتوفر فيه هذا الحزم فهو بلا ريب عاجز عن النهوض بمهام القيادة، فلا يستطيع أن يواصل الطريق نحو تحقيق الأهداف المرجوّة، خاصة القادة الإلهيون الذين يعتمدون على الله، مصدر كل قدرة وقوة في عالم الوجود، وهو سبحانه أقوى من كل ما يدبّره الأعداء من دسائس ومكائد بوجه الدين والمجتمع والوطن.
الآية الكريمة تقرّر مبدأ المسؤولية الفردية؛ أي إنّ كل فرد مسؤول عن أداء تكاليفه والقيام بواجباته.
فهو مكلَّف بفعله هو، وليس مسؤولًا عن تقصير غيره، إلا إذا كان سببًا لتقصير الغير.
ومع هذا المبدأ لا يمكن للفرد أن يتعلَّل بتقصير الآخرين، فلا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يربط القائد أو المؤمن التزامه بالتكليف بسلوك الآخرين، وعندما تكون القضية قضية حق وباطل فلا بدّ من الجهر به حتى لو سكت عنه الآخرون.
وتقرّر ثانيًا: كذلك ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكّل على الله تعالى، فالأخذ بالأسباب يتجلّى في النهوض إلى القتال، والتوكل على الله تعالى يتجلّى في قوله تعالى: “عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” وهذا توازن ضروري من الناحية العقدية والعملية.
وتقرّر ثالثًا: أهمية القيادة الربّانية ودورها في قيادة المجتمع الإيماني نحو غاياته الشريفة؛ فالقائد الربّاني يقود الناس بالقدوة، إنه ينهض أولًا إلى تكليفه، ثم يحرِّض الناس على القيام إلى واجبهم، فيرفع معنوياتهم، ويغرس الثقة في نفوسهم، ويربطهم بالله تعالى.
وتقرّر رابعًا: أن القائد الربّاني لا ينتظر إجماع الناس على قضايا الحق والباطل، ولا يتراجع عن واجبه بسبب قلّة الأنصار، بل يمضي، ويحرِّض الناس، ويبيّن لهم المخاطر، حتى يتمكَّن من تكوين كتلة مؤمنة واعية تقوم بواجبها تجاه دينها، وأمتها، ووطنها.
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 31/3/2026 الساعة (05:05)




