الأربعاء - 17 يونيو 2026

هل يفلح ترامب في جَرِّ حكام الخليج للمشاركة بالقوة النارية في الحرب؟‍!

منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

سعد صاحب الوائلي ـ 30/03/2026 ||

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واضح أنَّهُ مأزومٌ بأكبر إخفاقات حربه التي فرضها على أيران، المتمثلة بأنشوطة مضيق هرمز التي إلتفت حول عنقه، وهو يسعى جاهداً لمزيدٍ من توريط حكام الخليج الحاضنين لقواعده ومنشآته العسكرية في الحرب، فتراه يدفعهم دفعاً للمشاركة بـ(القوة النارية الفعلية) في هذه الحرب.
مراقبون يرون، ان الرئيس الأميركي وفي مراتٍ عدة، تعمد عبر الإساءة اللفظية والانتقاص من قادة الخليج مطالباً إياهم للمشاركة النارية في الحرب، فمرة عبر الإساءة اللفظية كما حدث في تصريحه المخجل بضرورة ان يُقَبِّلَ وليُ العرش السعودي محمد بن سلمان لمؤخرته!، ومرة بالانتقاص من ذاك الأمير، وأخرى بافتعالِ فُحشٍ لفظيٍ حيال ذاك المسؤول الخليجي، كل ذلك من اجل توريطهم بالجهد الناري الفعلي في الحرب قُبَيلَ أنْ يكتمل عديدُ جنودِ مشاة البحرية المتقاطرين الى جغرافية الحرب للمشاركة في عمليات الانزال التي يريدها ترامب في جزيرة خارك الإيرانية او ربما في السواحل الإيرانية الاخرى على الخليج.
وفي محاولات سابقة رصدها الاعلام في تصريحات الرئيس الأميركي العديدة – ومنذ أولى الصواريخ الإيرانية التي دكت القواعد والمنشآت الأميركية في الخليج – لم يدخر ترامب اية فرصة لذكر شركائه الاستراتيجيين في الخليج، غير انه بذات الوقت يغمزُ قناتَهُم لِتَأخُرِهِم في القوة النارية الفعلية وعدم اعلانهم الدخول الرسمي للقتال ضد ايران حتى الساعة.
مأزق القواعد الأميركية وخانق المضيق:
لم تكن صدمة ترامب الأولى عندما وجهت إيران صواريخها الباليستية إلى قلب القواعد الأميركية في الخليج، بل حين أظهرت الأرقام عجزاً أميركياً غير مسبوق في حماية “الحلفاء” أنفسهم. فمنذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، كشفت تقديرات حديثة أن القوات الإيرانية استهدفت 104 قاعدة استراتيجية في المنطقة، بينها 13 قاعدة أميركية تعرضت لأضرار جسيمة قدرت وحدها بقرابة 800 مليون دولار. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية تدميراً طال العديد من مرابض الطائرات ودُمِّرَتْ اعتى منظومات الاتصالات والتجسس والرادار في العالم واغلها ثمناً، حتى وصل الامر الى تدمير منشآت تخزين الوقود في قواعد أميركية عدة بالمنطقة، ليس آخرها قاعدة “علي السالم” الجوية بالكويت التي تعرضت لـ 23 ضربة في ازمنة قياسية.

ويبدو، أنَّ الأكثر إيلاماً لإدارة ترامب ما كشفته صحفٌ عالمية معروفة، بينها صحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخراً من أن جنوداً أميركيين اضطروا لمغادرة قواعدهم والانتقال للعمل من فنادق قريبة بعد أن أصبحت تلك القواعد غير صالحة لا للعمل ولا للسكن.
ومع وقعِ التطوراتٍ الدراماتيكية التي باغت بها الحرس الثوري المصالح الأميركية بالمنطقة، توالت الاعترافات بحجوم خسائر الحرب، كان بينها تصريحات مصادر عسكرية أميركية بإصابة 10 جنود بهجوم لطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية استهدفت قاعدة ” الأمير سلطان” الجوية جنوبي الرياض، بينهم إصابات خطرة، فضلا عن تدمير عدة طائرات تزود بالوقود. ويبدو ان فاتورة الخسائر في تفاقم، حتى ناهز عدد الإصابات 303 إصابة بينهم 13 قتيلاً.
لسنا في وراد تسجيل إحصائياتٍ هنا، لكن يبدو جلياً أن ترامب الذي وعد حكام الخليج بـ”أعلى مستويات الحماية الأمنية” وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن هذه الحماية لم تعد كافية، بل هو بحاجة لمن يحمي قواعده ويتلقى معه وطأة النيران الإيرانية.

من “تقبيل المؤخرة” إلى “المشاركة بالنيران”: سلوك ترامب في توريط حكام الخليج:
اللافت في مسلكية ترامب خلال الأسابيع الثلاثة الماضية هو ذلك التذبذب الحاد بين الإهانة الموجهة لبعض أو جُلُّ الحكام (الخلايجة)، وبذات الوقت لا تُعدمُ نبرة الاستجداء، لينصهرُ كُلُّ ذلك في تناقضٍ سياسيٍ فاضح.
ومصداق على ذلك، وفي إحدى خطابات ترامب الأخيرة، وأمام منتدى استثماري سعودي في ميامي، عاد الرئيس الأميركي إلى لهجته الإستعلائية النابية مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائلاً: “لم يكن يعتقد أنه سَيُقَبِّلُ مؤخرتي… لكنه مضطرٌ الآن، يتوجب أن يكون لطيفاً معي”. هذا في وقتٍ كان ترامب يصفُ قبلَ أيامٍ قليلةٍ فقط محمد بن سلمان في مؤتمر صحفي بأنه “محاربٌ يُقاتلٌ معنا”.

وليس بالعسير، تَلَمُّس هذه الثنائية في الخطاب، التي تشي بحجمٍ كبيرٍ من الارتباك الأميركي في إدارة أزمة لم تكن تدر في خَلَدِ ترامب او احدٍ في الإدارة الأميركية.
محللون نفسيون واستراتيجيون، توصلوا انَّ مسلكية ترامب اللفظية هذه تحاول جَرَّ الخليجيين إلى مستنقع القتالِ المباشر واشراكهم بالقوة النارية الساندة، لما يُدرِكُهُ الرئيس الأميركي من أنَّ الأسلوبَ الدبلوماسي التقليدي لم يعدْ مُجدياً، لاسيما بعد أن أثبتت إيران قدرتَها على ضرب العمق الاقتصادي للخليج، مستهدفةً منشآتِ الطاقة في السعودية والإمارات والكويت وقطر، ما دفع حكام الخليج لإدانة تلك الهجمات واصفينها بـ” التصعيد الخطير، والتهديد المباشر للأمن القومي الخليجي”.

حاجة ترامب للنيران الخليجية قبيل فتحه للجبهة البرية مع ايران:
رغم سلاسل الكذب التي يعتمدها ترامب في كل محفل بشأن وجود مفاوضات مع طهران، لا تخفي واشنطن نواياها بشأن توسيع رقعة الحرب برياً، وإن كان ذلك عبر وكلاء أو “شركاء”.
فالتعزيزات العسكرية الأميركية الأخيرة تضمنت وحدات استكشافية بحرية متخصصة بعمليات الإنزال البرمائي التي وصلت إلى المنطقة بالفعل. وهذا الامر يكشف حجم الإستعدادات الأميركية لإقتحام خارك الإيرانية، تلك الجزيرة الصخرية التي تُصدر نحو 90% من النفط الخام الإيراني.
اللافت أن بعضاً من الخبراء العسكريين الاميركيين السابقين ولأجل حفظ ماء وجه واشنطن أقنعوا ترامب بإمكانية ” الاستيلاء على جزيرة خارك بواسطة وحدات محمولة جواً من الفرقة 82 أو الرينجرز”.
غير أن هذا السيناريو يثير قلقاً شديداً داخل العواصم الخليجية، ففي تصريحاتٍ لمسؤولين كبار تسربت للإعلام كشفت ان حكام الخليج يمارسون ضغوطاً خاصة على إدارة ترامب لمنع الهجوم البري، محذرين من أن احتلال جزيرة خارك سيسفر عن خسائر بشرية فادحة في صفوف القوات الأميركية والإيرانية، الأمر الذي سيدفع طهران لتوجيه ضربات انتقامية عنيفة ضد البنى التحتية في دول الخليج. ولعل تأكيد ذلك ما صرح به رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف حينما توعد بأن “جميع البنى التحتية الحيوية للدول الإقليمية الحاضنة للقوات الاميركية، ستكون عرضة للنيران، وستغدو أهدافاً مشروعة إذا ما تجاوزت القوات الأميركية الخطوط الحمر.

على اية حال، وسط ترقبٍ حَذرٍ، وجمودٍ بمستنقع الازمة، تبقى التساؤلات بشأن مدى نجاح ترامب في مسعاه لتوريط الخليجيين قائمة. ولعل الاستدراج والاستفزاز بالالفاظ النابية منه قد وجدت ضالته شيئاً فشيئاً، إذ تشير تقارير صحفية بينها “وول ستريت جورنال” من أن الرياض وافقت على فتح قاعدة ” الملك فهد” الجوية للاستخدام الأميركي، الامر الذي يمثل تراجعاً واضحاً عن مواقف سابقة برفض استخدام الأراضي السعودية لشن هجمات على إيران.
يأتي هذا، في وقتٍ مازال الغموض يلف ردود فعل حكام خليجيين آخرين، ويلجمهم التردد في تجاوز الخطوط الحمر مع ايران، وتنتابهم خشية ان يستفيقوا ذات صباح وقد أضحت عواصمهم خراباً، بعد أن احالتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية الى ركامٍ هائل من الاسمنت المدمر.
فهل ستتأخر المواقف الخليجية بالإنصياع لضغوط ترامب، أم ستشهد الأيام القليلة المقبلة إعلانات رسمية بدخول ممالك الخليج الى القوة النارية الأميركية ضد ايران.
عموماً ، علاماتٌ عديدةٌ تشي بقرب إزوف مثل تلك المواقف الخليجية، لعل بوادرها ما أعلنته الامارات مؤخراً من اغلاق “المستشفى الإيراني” و”النادي الإيراني” في دبي، والتلميح بتجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات، فيما يبدو كجراءاتٍ قد تندرج في سياق ” تورطٍ جزئي” ربما يرضي واشنطن، طبعاً دون الالتزام الكامل بخوض معركة برية مكلفة مع القوات الاميركية.
ما قد ينضوي في هذا السياق ايضاً، ما أعلنته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن أن محمد بن سلمان “على وشك اتخاذ قرار بالانضمام إلى الهجمات”، واصفة الأمر بأنه “مسألة وقت فقط”. ولعل جردة الحسابات الداخلية لكل من الرياض وأبوظبي تبقى أكثر تعقيداً من أن تُحسم جراء تصريحاتٍ نابية من ترامب، أو وعود أميركية فضفاضة.
بالمحصلة، يبدو أن ترامب الذي دخل الحرب تحت شعار “الردع”، وجد نفسه أسير حرب استنزاف طويلةٍ في مضيق هرمز، وتحت وطأة صواريخ إيرانية لا تهدأ، الى جانب تفاقم أسعار الوقود بصورة جنونية، وتنامي وتيرة التظاهرات المليونية بمعظم أنحاء أميركا، كلُ ذلك، أخذَ يُطبِقُ الخناقَ ليس على عنق ترامب وحده، بل حول أعناق حلفائه ايضاً، والذين باتوا يدفعون أثماناً باهضة من أمنهم واستقرار مجتمعاتهم في حرب لم يختاروها.