الخميس - 14 مايو 2026

قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿النساء: 83﴾.

تعالج هذه الآية الكريمة مسألة بَثِّ الشائعات في المجتمع وإفشاء الأسرار، وهي مسألة في منتهى الخطورة لما لها من تداعيات خطيرة على المجتمع المؤمن. فهي واحدة من السلوكيات الخطيرة التي ابتُلي بها بعض أفراد المجتمع المؤمن زمنَ رسول الله (ص)،

أمّا في زماننا هذا فهي واحدة من المصائب الكبرى التي أصابت مجتمعنا في مقتل، وذهب ويذهب ضحيتَها الكثير من فلذات أكبادنا وإخواننا الأعزّاء. وقد تسبّبت وتتسبّب لنا بخسائر فادحة وانتكاسات،

وقد دخل في زماننا هذا عنصرٌ جديدٌ قاتل، وهو تصوير المشاهد وتوثيقها وبثُّها في الأوساط، إمّا من غباء، أو رغبةٍ في سبقٍ إعلامي، أو غير ذلك من الأسباب التي لا مبرِّر لها في خُلُقٍ أو دين.

وما زاد الطِّين بلّةً وفرةُ وسائل الإعلام التي تسترزق على إثارة الشائعات، والأراجيف، واختلاق الإفك بقصد التأثير في الناس، وأخذهم في الاتجاهات التي تريد أن تأخذهم إليها، ناهيك عن إثارة النَّعرات لإحداث بلبلة في المجتمع، والترويج لسرديات العدو، وخدمة أهدافه.

إن في المجتمع صنفًا من الناس يسعون جَهدَهم لتلقّف أيّ خبر من الأخبار ذات الصلة بالأوضاع العسكرية أو الأمنية، ليسارعوا إلى بثِّه في الناس دون التدقيق فيه، والتأكّد من صحته، وفهمه على حقيقته، والتدبّر في أبعاده، وفي عواقب إذاعته، علمًا بأن الحرب الإعلامية من أخطر الحروب، فهي أبعدُ تأثيرًا من الحرب العسكرية.

ولذلك تُستعمَل فيها الأكاذيب بشكل واسع، وهناك مطابخ إعلامية مهمتها التهويل الإعلامي، واختلاق قضايا وأخبار وإنجازات وانتصارات، أو اختلاق هزائم وانكسارات في جبهة وهمية (العدو) لا نصيب لها في الواقع، وبثُّها في الأوساط بهدف استمالة الجماهير والتأثير فيها، واستلاب وعيها، وإضعاف معنوياتها.

الآية الكريمة تأمرنا في هكذا أحوال، ولا سيما في هذه الحرب المتعدّية التي تُشَنُّ علينا ظلمًا وعدوانًا، أنه إذا رأينا شيئًا أو حركة، أو سمعنا بأمر، أن نحتفظ به فلا ننشره، ولا نُشيعه، وأن نرده إلى العارفين من أهل الاختصاص ممن يقدرون على تحليله، وفهمه، واتخاذ الإجراءات المناسبة له.

وتنبّهنا الآية من الثرثرة بكل ما نسمع وما نرى، وأن ندور بذلك في المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي نبثُّه في الأوساط، فنُحدث الهرج والمرج في المجتمع، ونشيع الخوف والقلق والذُّعر، ونُضعف معنوياته دون أن يرفَّ لنا جفن.

إن الكلمة ليست مجرد لفظة يلفظها الإنسان من فمه، ولكنها أشباحٌ متنقّلة في الناس تتجسّد، وتتشكّل، وتظهر في صور مختلفة من تصوّرات الناس وأعمالهم، خصوصًا في أوقات الشدائد والأزمات التي تمرّ بالمجتمع، حيث الهياج والقلق والاضطراب الذي يغشى الناس، ويطلع عليهم في يقظتهم ونومهم على السواء.

فلا بد من التثبّت من الأخبار، ولا سيما إذا جاءت من أشخاص فاسقين فاجرين، فكيف إذا كانت من قنوات وشبكات ومصادر إعلامية عدوّة أو متواطئة مع العدو؟ بل يجب عدم نشر الأخبار غير الموثوقة، وإرجاع الأمور إلى المراجع المعنية من أهل الاختصاص؛ فليس كل ناقلٍ فاهمًا لما ينقل، ولا كل من يرى أو يسمع أمرًا يقدر على استنباط الحقيقة منه.

فجر يوم الإثنين الواقع في: 30/3/2026 الساعة (05:00)