الخميس - 14 مايو 2026

الوحشية السياسية تضرب دهوك: نيجيرفان ليس وحده المُستهدَف..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

حسن عبد الهادي العگيلي، كاتب وباحث في الشؤون السياسية

ليس ما جرى في دهوك فجر الثامن والعشرين من مارس مجرد هجوم بطائرة مسيّرة، بل هو رسالة مكتوبة بلغة النار، موجّهة إلى أكثر من عنوان في آنٍ واحد. استهداف منزل رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني جاء في سياق إقليمي بالغ الاشتعال، مما يجعل قراءته الأمنية المجرّدة قاصرةً عن استيعاب أبعاده الحقيقية.

هذا الاعتداء الآثم يحمل في طياته أكثر من توظيف ممكن، فمن يرسم خارطة المستفيدين يجد نفسه أمام احتمالات متشابكة: ضرب الثقل الرمزي للقيادة الكردية في لحظة حرجة، وبث الفوضى في صفوف المكوّنات العراقية، واستدراج الإقليم إلى مربع الصراع الذي طالما أبى الانزلاق إليه. لقد اختار الشعب الكردي عبر مراحل تاريخه النأيَ بنفسه عن صراعات المحاور والحروب الدائرة في المنطقة، إلا أن بعض القوى لا تزال تسعى لجرّه إلى أتون نزاعات لا تخدم مصالحه ولا مصالح العراق.

ثمة بُعد آخر لا يمكن إغفاله في هذه الملابسات، وهو ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية الإلغاء الشخصي”؛ أي التهديد المباشر للأشخاص بدلاً من المواقف، وهي تكتيك وحشي تكرّر مراراً في المشهد الإقليمي. وقد شهدنا آخر تجلياته في اغتيال مراسلَي قناتَي المنار والميادين، علي شعيب وفاطمة بتوني، اللذين سقطا في حرب الاستهداف الممنهج للصحفيين.

فحين يُراد إسكات خطابٍ سياسي أو تحييد ثقلٍ رمزي، يُلجأ إلى هذا الأسلوب البالغ الإجرام الذي لا يميّز بين منزل ومكتب تحرير.

كان نيجيرفان بارزاني على مدى السنوات الماضية صوتاً داعماً للحوار وجسراً للتقارب السياسي بين بغداد وأربيل، وعاملاً أساسياً في ترسيخ مفاهيم الوحدة الوطنية والتعايش المشترك، الأمر الذي يجعل استهدافه استهدافاً مباشراً لجهود الاستقرار في العراق كله.

وهذا بالضبط ما يجعل الجريمة أشد خطورةً وأوسع دلالةً: فمن يُستهدَف ليس مجرد مسؤول، بل هو رجل بنى جسوراً حين كان الآخرون يحفرون خنادق.

نيجيرفان بارزاني شخصية عراقية كردية تحمل ثقلاً رمزياً راسخاً، لا للكرد وحدهم، بل لكل العراقيين الذين اكتووا بنيران دولة البعث الصدامي وعرفوا معنى أن تُستهدف بيوتهم وأرواحهم بقرار سياسي.

إن مثل هذه الهجمات تمثّل عدواناً صارخاً لا يمكن معالجته بمجرد الإدانات أو الاتصالات أو البيانات أو اللجان، وقد أمر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بتشكيل فريق أمني وفني مشترك للتحقيق في الحادثة، مؤكداً على منع أي جهة من جرّ العراق إلى الصراع الإقليمي، وهو موقف صحيح في اتجاهه، غير أن الخطوات الإجرائية وحدها لن تكون كافية ما لم تُفضِ إلى محاسبة حقيقية وملموسة.

إن إدانة هذا الاعتداء لا تحتمل التردد ولا تقبل الضبابية، لأن الصمت هنا يُفسَّر إذعاناً، وكل صوت خافت يُمنح للغموض يُعدّ تسهيلاً لتكرار الجريمة.

ينبغي أن يُدان هذا الفعل بأعلى الأصوات وأوضح العبارات: لا لتحييد الأشخاص، لا لاستهداف الجسور، لا لتحويل المنازل إلى ساحات حرب في زمن يستحق فيه العراق أن يتجاوز جراحه إلى أفق أرحب.