ترامب؛ انتصار على الورق… وهزيمة في الواقع..!
✍️ د. ماجد الشويلي ||
2026/3/29

تعتبر نظريات الهيمنة الجيوبوليتيكية الكلاسيكية إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم أنماط التفوق في الصراع الدولي، فقد برزت في هذا المضمار ثلاث مقاربات رئيسية؛ نظرية “هالفورد ماكيندر ” القائمة على “قلب الأرض” والهيمنة البرية، ونظرية الضابط الأمريكي “الفريد ماهان” التي تؤكد مركزية القوة البحرية، وأخيرها اطروحة الروسي ” الكسندر سيفيرسكي ” الذي جعل من التفوق الجوي عامل الحسم في الحروب الحديثة.
تاريخيًا، أظهرت العديد من الصراعات التي نشبت بين الدول أن السيطرة البرية، كما صاغها ماكيندر، تمثل العنصر الأكثر استدامة وضمانة لفرض الهيمنة، فالسيطرة على الأرض تعني التحكم المباشر بالموارد والسكان وطرق الإمداد.
بينما توفر القوة البحرية والجوية أدوات تمهيدية أو داعمة، لكنها لا تكفي بمفردها لحسم الصراعات الكبرى، خصوصًا أمام تلك الدول التي تمتلك عمقًا جغرافيًا وبشريًا كالجمهورية الاسلامية .
في هذا السياق، يمكن قراءة التدرج الأمريكي المفترض في استخدام القوة -من التفوق الجوي الى البحري ، ثم التفكير في الخيار البري -بوصفه انعكاسًا لمنهج عملياتي تقليدي، ليس بالضرورة دليلًا على فقدان الرؤية الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة تاريخيًا تعتمد على تقليل الكلفة البشرية عبر توظيف التفوق التكنولوجي البحري والجوي أولًا، قبل الانخراط في عمليات برية واسعة، وهو ما ظهر في تجربة الحرب على العراق 2003.
غير أن هذا التدرج يواجه تحديات حقيقية عند التعامل مع دولة ذات خصائص بشرية وجيوسياسية معقدة مثل ايران، التي تمتلك عمقًا جغرافيًا كبيرًا، وتضاريس صعبة، وشبكات دفاع غير تقليدية.
يجعل من التفوق البحري أو الجوي غير كافٍ لتحقيق الحسم السريع، كما أن الخيار البري أصبح عالي الكلفة والمخاطر، خاصة إن لم تتوفر له فرصة الغطاء الجوي والبحري الفعال والمستمر.
مع ذلك فان بقاء نظرية ماكيندر هي “الأدق والأصح” بشكل مطلق بحاجة إلى قدر من التحفظ الأكاديمي. فالحروب الحديثة تُظهر تكاملًا بين المجالات الثلاثة (البر، البحر، الجو)، إضافة إلى مجالات جديدة مثل الفضاء السيبراني.
فالحسم لم يعد نتاج بُعد واحد، بل نتيجة لتفاعل منظومات متعدد ومتنوعة الأبعاد.
اما اذا توقفنا عند قرار الحسم لوضع نهاية للحرب او على اقل التقادير لتحقيق الهدف النهائي ، فان الاجتياح البري يبقى هو الأكثر نجاعة في سياق الحروب الملحمية.
كالعدوان الهمجي التي تشنه امريكا على إيران.
لذا باعتقادي أن الخلل الذي منيت به ستراتيجية ترامب انه اعتقد بامكانية هزيمة ايران بضربة جوية خاطفة لا يُفهم على أنه فشل ستراتيجي فحسب ، بل قد يكون انعكاسًا لتعقيدات بيئة الصراع وسوء تقدير لامكانيات الجمهورية الاسلامية .
من هنا فإن الرهان على الحسم السريع معها يظل محفوفًا بعدم اليقين، ما يعيد الى الذاكرة أن الجيوبوليتيك المعاصر تجاوز اعتماد الأحادية التي افترضتها النظريات الكلاسيكية لضمان الغلبة ، وهو في الوقت نفسه يبقى مرهونا للاجتياح البري مهما استبد التفوق البحري والجوي في ميدان المعركة .
الا إن مأزق ترامب الشائك الذي وقع فيه مع ايران وعجزه عن هزيمتها من خلال التدخل البري المزمع ذلك لأنه قارب على استنفاد امكاناته الجوية والبحرية الضرورية لتحقيق الحسم قبل التفكير بالتدخل البري بوقت طويل نسبيا ، لذا ستنهار حشوده العسكرية على اعتاب السواحل الايرانية قبل ان تدخل في تضاريسها المعقدة باذن الله تعالى .




