الجمعة - 15 مايو 2026
منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدةِ التعقيد، حيث تتقاطعُ النيرانُ بين أكثر من جبهة، ويكادُ المشهدُ ينفلتُ نحو مواجهةٍ واسعة، جاء بيانُ القواتِ المسلحةِ اليمنية ليضعَ النقاطَ على الحروف، ويرسمَ بوضوحٍ معالمَ المرحلة، وحدودَ الاشتباك، وخياراتِ الرد.

لم يكن البيانُ مجردَ موقفٍ عابر، بل إعلانُ تموضعٍ استراتيجيٍّ صريح، يؤكدُ أنَّ اليمنَ لم يعد متفرجاً على ما يجري في المنطقة، بل طرفٌ حاضرٌ في معادلةِ الردع، وجزءٌ فاعلٌ في محورٍ يتشكلُ على قاعدةِ المواجهة مع المشروع الصهيوني الأمريكي.

فمنذُ استهلال العميد يحيى سريع بقول الله تعالى{ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ }
صدق الله العظيم.

حمل البيانُ بُعدًا دينيًا واضحًا، فالمعركةَ ليست سياسيةً فقط، بل معركةُ حقٍّ وباطل، وصراعُ إرادةٍ بين أمةٍ تريدُ التحرر، وقوىً تسعى للهيمنة تحت عناوينَ خادعةٍ كـ تغيير الشرق الأوسط وإسرائيل الكبرى.

البيانُ في جوهره لم يكن دعوةً للحرب،
بل تحذيراً منها، إذ شدد على ضرورةِ وقفِ العدوان، والانخراط في المساعي الدبلوماسية، وتنفيذ الاتفاقات، خصوصًا ما يتعلقُ بغزة، في إشارةٍ واضحة إلى أنَّ بابَ الحلول السياسية ما يزال مفتوحًا، لكن ليس بلا سقف.

غير أنَّ الرسالةَ الأهم، والأكثر صراحة، جاءت في البند الرابع، حيثُ انتقلت اللغةُ من التحذير إلى التهديد المباشر:

أيدينا على الزناد… عبارةٌ تختصرُ مرحلةً كاملة، وتؤسسُ لردعٍ معلن، لا لبس فيه،
لقد رسم البيانُ ثلاثَة خطوطٍ حمراء هي:

1- توسيعُ التحالفات ضد إيران ومحور المقاومة.

2- استخدامُ البحر الأحمر كمنصة عدوان.

3- استمرارُ التصعيد دون سقف.

وهي خطوطٌ تعني أنَّ أيَّ تجاوزٍ لها سيقابلُ بردٍّ عسكري مباشر، ما يضعُ البحر الأحمر تحديدًا في قلب المعادلة، ويؤكدُ أنَّ اليمنَ بات يمتلكُ القدرةَ والإرادةَ للتأثير في مسرح العمليات الإقليمي.

كما حمل البيانُ بعدًا إنسانيًا وسياديًا واضحًا، حين حذر من تشديد الحصار على الشعب اليمني، في تذكيرٍ بأنَّ اليمن، رغم انخراطه في معركة الأمة، لا يزالُ يواجهُ عدوانًا مستمرًا وحصارًا خانقًا، وأنَّ أيَّ محاولةٍ لاستغلال التصعيد الإقليمي لزيادة معاناة الشعب ستقابل بردٍّ حازم.

ما يلفتُ النظر في البيان أيضًا، تأكيدهُ أنَّ العمليات العسكرية تستهدفُ العدو الإسرائيلي والأمريكي دون غيرهما، في رسالةٍ لقطع الطريق أمام أيِّ محاولاتٍ للتشويه أو جرِّ الصراع نحو استهداف شعوب المنطقة.

إنَّ هذا البيان، في توقيته ومضمونه، يعكسُ تحوّلًا مهمًا في موقع اليمن داخل معادلة الصراع، من ساحةٍ مستهدفة إلى لاعبٍ مؤثر، ومن موقع الدفاع إلى موقع الردع المبادر.

كما أنه ينسجمُ مع ما أكدهُ السيد القائد في أكثر من مناسبة، بأنَّ معركةَ الأمة واحدة، وأنَّ الوقوفَ في وجه المشروع الصهيوني الأمريكي واجبٌ ديني وأخلاقي لا يقبلُ التراجع أوالحياد.

ختامًا:يمكن القول إنَّ بيان القوات المسلحة اليمنية لم يكن مجرد إعلان موقف، بل وثيقةُ مرحلة، ترسمُ ملامحَ اشتباكٍ قد يتسع، وتؤكدُ أنَّ اليمنَ حاضرٌ فيه، بقراره، وبسلاحه، وبإرادته.

وأنَّ زمنَ الصمت قد انتهى وأنَّ ما بعد هذا البيان، ليس كما قبله.