الخميس - 14 مايو 2026

طهران بين تماسك النظام وأحتمالات التحول في ظل الحرب .؟

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية تتسم بتصعيد غير مسبوق بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، تتداخل مسارات الحرب المُباشرة مع حسابات الردع غير المُتكافئ ، لتفتح الباب أمام أسئلة أكثر عُمقاً تتعلق ببُنية النظام الإيراني ذاته ، وفي قلب هذه الأسئلة ، تبرز فرضية غياب المرشد الأعلى كأحد السيناريوهات المفصلية التي قد تُعيد تشكيل توازنات السُلطة في طهران ، ليس بوصفها لحظة أنهيار مُحتملة ، بل بأعتبارها أختباراً حقيقياً لمرونة النظام وقُدرته على إعادة إنتاج نفسه في بيئة شديدة الاضطراب .

تُظهر الأدبيات التحليلية الصادرة عن مراكز دراسات رصينة ، مثل “معهد كارنيغي” للسلام الدولي و”تشاتام هاوس” و”مجموعة الأزمات الدولية” ، أن النظام الإيراني لا يقوم على مركزية فردية صِرفة ، بل على بُنية مُؤسسية مُركبة تتوزع فيها السلطة بين مُؤسسات دينية وأمنية وسياسية ، تتشابك أدوارها ضمن ما يُمكن وصفه بـ”نظام التوازنات الداخلية” ، هذا التوصيف يُفسر كيف تمكنت طهران ، عبر عقود من أمتصاص صدمات أستراتيجية كُبرى بدءاً من الحرب <العراقية–الإيرانية> ، وصولاً إلى العقوبات الاقتصادية القصوى ، دون أن تفقد تماسكها البُنيوي .

في هذا السياق ، يبرز الحرس الثوري الإيراني كفاعل محوري يتجاوز دوره العسكري التقليدي ليُشكل أحد أعمدة النظام السياسية والاقتصادية والأمنية ، فبحسب تحليلات مُتعددة تحول الحرس إلى شبكة نفوذ مُتكاملة تمسك بمفاصل حساسة داخل الدولة ، ما يجعله مرشحاً أساسياً لقيادة مرحلة “إدارة ما بعد المرشد” ضمن صيغة جماعية ، إذا ما حدث فراغ في قمة الهرم ، هذه الصيغة لا تعني بالضرورة أنتقالاً سلساً للسُلطة ، بل تعكس نمطاً من إعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوى ، بما يضمن أستمرارية النظام ولو بأشكال مُختلفة .

تتجسد هذه التوازنات في تعددية النُخبة الحاكمة ، حيث تتقاطع أدوار شخصيات ذات خلفيات أمنية وسياسية وقضائية ، فهناك تيار يميل إلى التشدد وتعظيم أدوات الردع .؟
وآخر يسعى إلى إدارة الصراع ببراغماتية سياسية ودبلوماسية .؟

هذا التباين لا يُترجم بالضرورة إلى أنقسام حاد ، بل يعكس ديناميكية داخلية تُستخدم غالباً كأداة لإدارة الأزمات وتوزيع الأدوار ، خاصة في ظل الضغوط الخارجية المُتزايدة .

غير أن العامل الأكثر حساسية يظل مُرتبطاً بدائرة “بيت المرشد”، حيث تشير تقديرات تحليلية إلى وجود تأثير مُتنامٍ لشخصيات قريبة من مركز القرار ، تلعب دوراً تنظيمياً في ضبط العلاقة بين المُؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية ، بما في ذلك التنسيق غير المُعلن مع الحرس الثوري ، هذا التداخل يُعزز فرضية أن مرحلة ما بعد المرشد إن تحققت قد تُدار من داخل المنظومة نفسها ، لا عبر كسرها .

في ظل الحرب الجارية ، تتجه المُعادلة نحو ترجيح كفة التيار الأمني ، إذ تُؤدي بيئة الصراع إلى تعزيز منطق “عسكرة القرار” حيثُ تتقدم الاعتبارات الميدانية على الحسابات السياسية . هذا التحول لا ينفصل عن طبيعة المُواجهة الحالية ، التي تجمع بين الضربات المُباشرة ، والحرب السيبرانية ، وشبكات النفوذ الإقليمي المُمتدة ما يجعل القرار في طهران أكثر أرتباطاً بالمُؤسسات الأمنية والعسكرية .

في هذا الإطار ، تبرز جبهة اليمن كأحد المُتغيرات الأكثر حساسية في معادلة التصعيد ، فالمؤشرات الصادرة عن وسائل إعلام إقليمية ودولية ، إلى جانب تصريحات قيادة جماعة أنصار الله ، توحي بأرتفاع أحتمالية أنخراط اليمن في مسار المواجهة ، ولو بشكل تدريجي ومحسوب ، هذا الانخراط إن حدث لن يكون مُجرد دعم رمزي ، بل قد يُشكل توسيعاً جغرافياً للصراع ، عبر أستهداف مصالح أمريكية أو إسرائيلية ضمن ما يُعرف باستراتيجية “تعدد الجبهات”.

وتشير قراءات صادرة عن مراكز أبحاث مُتخصصة في شؤون الأمن الإقليمي إلى أن فتح جبهة اليمن يحمل أبعاداً تتجاوز البعد العسكري ، إذ يهدف إلى تشتيت القُدرات الدفاعية للخصوم ، وفرض مُعادلة ردع مُركبة تقوم على توزيع الضغط عبر أكثر من ساحة.

غير أن هذا السيناريو ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر التصعيد غير المنُضبط ، خاصة إذا ما تداخلت الحسابات الإقليمية مع الضغوط الدولية ، بما قد يدفع نحو توسيع دائرة الاشتباك بشكل يصعب أحتواؤه .

ورغم كُل هذه التعقيدات ، لا تشير المؤشرات الراهنة إلى أنهيار وشيك للنظام الإيراني ، بل إلى قُدرة مُستمرة على التكيف ، وإعادة التموضع . فالنظام ، كما تُؤكد تقارير مجموعة الأزمات الدولية ، يمتلك خبرة تراكمية في إدارة الأزمات تسمح له بإعادة توزيع الأدوار بين مُؤسساته بما يتناسب مع طبيعة التحديات ، غير أن هذا الاستقرار النسبي لا يخلو من هشاشة كامنة ، إذ إن تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ، بالتوازي مع التصعيد العسكري ، قد يفتح المجال أمام توترات داخلية ، خاصة إذا ما ترافقت مع صراع أجنحة على النفوذ في مرحلة انتقالية محتملة ، وهنا تكمن المُفارقة الأساسية هي أن قوة النظام في تعددية مراكزه قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا ما أختل ميزان التنسيق بينها .

اليوم لم يعد مسار الصراع في الإقليم محكوماً فقط بطبيعة أنتقال السلطة داخل طهران أو شكل إدارتها في مرحلة ما بعد أستشهاد المُرشد الأعلى السيد “علي خامنئي” ، بل بات مُرتبطاً بدرجة أكبر بقدرة إيران على إعادة توظيف شبكة نفوذها الإقليمي في لحظة أشتباك مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل . وفي هذا السياق ، تبرز أحتمالية دخول جماعة أنصار الله في اليمن كأحد المُتغيرات المفصلية التي قد تعيد رسم هندسة المواجهة ، عبر توسيعها من صراع ثنائي أو محدود إلى نمط متعدد الجبهات ، تتوزع فيه أدوات الضغط بين البر والبحر والعمق الاستراتيجي .

إن أنخراط اليمن إذا ما تحقق لن يكون مُجرد خطوة تضامنية ، بل سيحمل دلالات أستراتيجية تتعلق بنقل مركز الثُقل من المواجهة المُباشرة إلى حرب أستنزاف مُركبة ، تستهدف إرباك الخصوم وتفكيك أولوياتهم الدفاعية ، غير أن هذا السيناريو ، رغم ما يمنحه لطهران من أوراق ضغط إضافية ، ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر تصعيد متسارع قد يخرج عن نطاق السيطرة ، خصوصاً إذا ما تداخلت حسابات الفاعلين الإقليميين مع أعتبارات القوى الدولية .

ختاماً .. ففي ضوء هذه المُتغيرات تبدو المرحلة المُقبلة مُرشحة لأن تكون أكثر تعقيداً من مُجرد صراع عسكري تقليدي ، إذ ستتداخل فيها حسابات الردع مع ديناميكيات الوكلاء ، ويتحول فيها القرار السياسي إلى مزيج من الضرورات الأمنية والضغوط الميدانية ، وهنا ، ستُختبر قُدرة النظام الإيراني ليس فقط على الحفاظ على تماسكه الداخلي ، بل على إدارة شبكة تحالفاته دون الانزلاق إلى مُواجهة شاملة قد تتجاوز حدود التحكم .
إن أتساع رقُعة الاشتباك يفرض على دول المنطقة إعادة تقييم مُقارباتها بعيداً عن رهانات الحسم السريع أو الاصطفافات الحادة ، بأتجاه تبني أستراتيجيات أكثر مرونة تقوم على أحتواء التصعيد ، وتفادي الانجرار إلى مسارات مفتوحة قد تُنتج خرائط نفوذ جديدة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها .
في المحصلة ما يتشكل اليوم ليس مُجرد فصل جديد في صراع قائم ، بل ملامح مرحلة إقليمية مُختلفة ، قد تُعيد تعريف موازين القوة وحدود الاشتباك ، وبينما تتجه الأنظار إلى طهران فإن حقيقة التحول ستُقاس بمدى قدرة الفاعلين كافة على إدارة هذا التصعيد المُركب لا بمن يملك زمام المُبادرة في لحظته الأولى …!