حربكم العدوانية.. أيقظت فينا “طف كربلاء”… فلا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا..!
الباحث والكاتب والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

ان واقعة الطف اصبحت شعلة ومنارة وقبلة لكل المظلومين والمضطهدين لنيل حقوقهم من المتغطرسين والمستكبرين ، فهاهم اخوتنا في محور المقاومة وهم يستلهمون من تلك المدرسة كل عناوين الشجاعة والاباء والايثار والشموخ والصبر والتحمل والضرب بيد من الحديد حيث أن لولا مدرسة الطف الخالدة لما كانت للدين وجود وبقية ،والامام الحسين ع كان واضحا وصريحا عندما قال (( ومثلي لا يبايع مثله ….. وهيهات منا الذله ……
والله لاعطيكم بيدي أعطاء الذليل ولا اقر لكم اقرار العبيد ))، وحقيقة فقد اصبحت هذه المدرسة القبلة التي يتوجه اليها هؤلاء الابطال ليستلهموا وينهلوا منه تلك القيم الاصيله لنيل المطالب.
فهذه العبارة الخالدة: “يا أبتِ، أولسنا على الحق؟ إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا”، هي مقولة شهيرة لـ علي الأكبر بن الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء.
تجسد هذه الكلمات أعلى درجات اليقين، الثبات، والعقيدة الراسخة في نصرة الحق، حيث أجابه الإمام الحسين (ع) بـ “بلى والله، منذ فجر التاريخ، والظلم يحاول أن يكتب فصوله بالدم والنار، ظناً منه أن القوة المادية هي الكفيلة بإخضاع الروح وإسكات صوت الحق.
لكن، وفي كل مرة تشتد فيها ريح “حربكم العدوانية”، يحصل ما لم تحسبوا له حساباً: تستيقظ فينا كربلاء، ويحضر في وجداننا الحسين (ع).
لقد أخطأتم القراءة حين اعتقدتم أن التدمير والحصار قد يوهن العزائم؛ فأنتم لم تواجهوا مجرد جيوش أو أرقام، بل واجهتم “ثقافة عاشوراء” التي تسكن في عمق الوراثة الروحية لهذا الشعب ، فلامام الحسين (ع) البوصلة التي لا تخطئ حيث أنه لم يكن مجرد واقعة تاريخية انتهت في عام 61 للهجرة، بل هو مشروع حياة ومنهجية رفض. حين تشنون حروبكم، فإنكم تضعوننا أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما الخياران ذاتهما اللذان وُضع أمامهما الحسين في “الطف”:
فيا احقر خلق الله تريدون منا خيار الذلة وهو ما تطلبونه بآلتكم العسكرية ….. ونحن نجيبكم بخيار العزة وهو ما اخترناه بصرخة “هيهات منا الذلة”.
فصرخة كل طفل تحت الأنقاض تذكرنا بعبد الله الرضيع، وكل ثبات لمجاهد في ميدانه يجسد وفاء العباس، وكل صبر لامرأة تفقد عزيزها هو قبس من شجاعة زينب (ع).
واعلموا جيدا بان أيقظت هذه الحرب قد أيقظت”الطف” فينا فقد حولت عدوانيتكم الشعارات النظرية إلى واقع معيش، فأصبح الحسين حاضراً في كسر حاجز الخوف فمن يرى في الموت “جسر العبور نحو الكرامة” كما رآه الحسين، لا يمكن لترسانتكم أن ترعبه فالتكافل والتلاحم برزت بل كانت حاضرة في روح كربلاء في إيثار الناس لبعضهم البعض، تماماً كما كان أصحاب الحسين يتسابقون للفداء والاهم هو انتصار الدم على السيف حيث تعلمنا من “الطف” أن الجلاد قد يربح المعركة عسكرياً، لكن الضحية هي من تربح التاريخ والخلود.
فمن رسالة الطف الخالدة نقول لكم إن حربكم هذه، بدلاً من أن تكسرنا، أعادت تذكيرنا بهويتنا الأصلية. لقد ظننتم أنكم تطفئون النور، فإذا بكم توقدون في قلوبنا جمرة الحسين التي “لا تبرد أبداً”. نحن قومٌ لا نرى في البلاء إلا “جميلاً” ما دام في سبيل الله والكرامة، ولا نرى في تهديداتكم إلا عجزاً أمام صمود يستمد مدده من عطش كربلاء وإباء سيد الشهداء.
وأخيرا وليس أخراً إن الحسين فينا ليس مجرد دمعة، بل هو ثورة مستمرة، وبوصلة تشير دائماً نحو حرية الإنسان وكرامته. وحروبكم مهما طالت، لن تجد منا إلا “بصيرة كربلائية” ترى النصر في الصمود، والخلود في الشهادة.




