الخميس - 14 مايو 2026

جريمة هدم قبور البقيع.. مسح للذاكرة النبوية..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ عَلى مُ حَمَّدٍ وَآل محمد .
أعتذر مقدماً عن محاولة التنبيه إلى أمر بديهي يُفترض أن الجميع يسلّم به كالعِلم .. لكن واقعنا اليوم يضطرنا أحياناً إلى التذكير بالبديهة ، وأحياناً إلى بذل الجهد لإقناع البعض بالمسلّمات .

فنحن نعاني من الاحتباس الحضاري بسبب تلوث الأخلاق ، وزيادة في ثاني أوكسيد الحماقة ، وارتفاع بدرجات الجهل .

وعذراً لإحتداد مقدمتي لأني اكتب عن حادثة هدم قبور أئمة البقيع (عليهم السلام) ، وهي حادثة أقل ما يقال عنها إنها نتيجة الجهل في فهم الحضارة الإسلامية بوجهها الصحيح .. فلا تخف من الشخص الذي لا يقرأ ، وإنما إحذر من الشخص الذي لا يفهم ما يقرأ .. فالشهادة تُثبت انكَ متعلمٌ ، لكنها لا تُثبت أنكَ تفهم .. وهو ما عليه القوم !
فأحياناً يكون المظهر الخارجي لأولئك القوم على شكلِ إنسانٍ ، ولكن المحتوى لديهم حديقة حيوانات .

يقول الإمام الحسن (ع) : الشاة أعقل من أكثر الناس ، تَنزجر بصياح الراعي عن هواها ، والإنسان لا ينزجر بأوامر الله ورسوله .
فماذا اقول عن الذين دنّسوا أرض البقيع ؟ .. أقول أولئك يحملون رؤوساً لا يستفاد منها الا الحلاّق ، أما في باطنها فجهلٌ تَستنكفُ الجيف ان تُضارعها .

فكل شيء إذا كثر رخص ، إلا العقل إذا إزداد غلا .. سوى أولئك القوم الهادمون فيفعلون العكس ، فتأمل !

لما تسمع أو تقرأ لأي إمام من أئمة الهدى (عليهم السلام) فأنتَ لا ترى كلمات وإنما تسمع صوت الإيمان ، أو رحلة تهتدي بها في طرق الحياة .. ولا ينبغي لنا إلا البحث عنهم والاهتداء بهديهم .

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) : من أصبح يجدُ بردَ حُبنا على قلبه فليحمد الله على بادئ النِعم . قِيل : وما بادئ النعم ؟ قال : طِيب المولد .

ولو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدّثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف حينما اكتُشف أمرهم ـ بعد ثلاثمّائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلّبه على الكفر .

ومع ذلك نرى انقسام الناس إلى قسمين : قسم يقول : ﴿ … ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً … ﴾ تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء مسجد على الكهف ، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير الله ؛ كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى .

فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك ، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين ؟! ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ ؟! أليس ذلك دليلاً على الجواز ، ﴿ … قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ﴾ .
فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح ـ بناء المسجد ـ ومن الثابت أنّ تقرير القرآن حجّة شرعية .

إنّ هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على البناء على القبور ، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من التقدير لصاحب القبر ، وتبرّكاً به لما له من منزلة عظيمة عند الله ، ولذلك بُني المسجد وأصبحت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم والاحترام .

ومازالت هذه الحالة موجودة حتّى في وقتنا الحاضر لقبور العظماء والملوك والخالدين ، فهل توجد أخلد وأطهر من ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً ؟

وكان النبي (ص) يقصد البقيع ، ويؤمه كلما مات أحد من الصحابة ليصلي عليه ويحضر دفنه .. وقد يزور البقيع في أوقات أخرى ليناجي الأموات من أصحابه .

وقد روى مسلم في الصحيح عن عائشة أنها قالت : (كان رسول الله (ص) كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل الى البقيع فيقول سلامٌ عليكم دار قومٍ مؤمنين ، واتاكم ما توعدون ، وإنا أن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد) .

وحدّث محمد بن عيسى بن خالد عن عوسجة قال : (كنت أدعو ليلة الى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي الباب ، فمر بي جعفر بن محمد – يعني الإمام الصادق (ع) – فقال لي أعن أثر وقفت ها هنا ؟ قلت لا ، قال هذا موقف نبي الله (ص) بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع) .

وروى الطبراني في الكبير ومحمد بن سنجر في مسنده وابن شبّة في أخبار المدينة عن أم قيس بنت محصن ، وهي أخت عُكاشة ، أنها خرجت مع النبي (ص) إلى البقيع ، فقال : (يُحشر من هذه المقبرة سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر) . فقام رجل فقال : يا رسول الله ، وأنا . فقال : (وأنت) ، فقام آخر فقال : يا رسول الله ، وأنا . قال : (سبقك بها عُكَّاشة) ، قال : قلت لها : لِمَ لم يقل للآخر ؟ قالت : أراه كان منافقاً .

وروى ابن شبّة عن أبي موهبة مولى رسول الله (ص) قال : أهبَّني رسول الله (ص) من جوف الليل ، فقال : (إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي) ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم قال : (السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهنَ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلتِ الفتنُ كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى) ، ثم استغفر لهم طويلاً .

ثم قال : (يا أبا موهبة ، إني قد أوتيتُ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة) ، قلت : بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، قال : (لا والله يا أبا موهبة ، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة) .

ثم رجع رسول الله (ص) فبدأ به وجعه الذي قبض فيه .
قام الوهابيون بتهديم قبور بقيع الغرقد مرتين :

الأولى : عام 1220 هـ ، وكانت الجريمة التي لا تنسى عند قيام الدولة السعودية الأولى ، حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع ، وذلك عام 1220 هـ ، وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءَها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين ، فبنيت القبب والمساجد بشكل فنيّ رائع ، حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين .

الثانية : عام 1344هـ ، حيث عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344هـ ، وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة ، وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوىً من وعّاظهم .

فأين جريمة هدم القبور إذا فهمنا ما هو الإمام ؟ وكيف تكون روحه ؟ وكيف تكون قبورهم إذا طالها الهدم ؟

فعندما نُعطي الأئمة (عليهم السلام) المكانة الأولى في حياتنا تأخذ الأشياء الأخرى مكانها الصحيح .

آه يا بقيع الغرقد : أما آن لدموع الشيعة أن تروي عطش قبوركم ؟ فقد ظلمت القبور فظلمت النفوس ، ووحشة المكان تعكس وحشة القلوب .

نزلَ الدمارُ بها وغابَ جميلُها
كم كان َ سِحراً فجرُها وأصيلُها
تلك المنازلُ يا لـــها مِن آيــةٍ
طابتْ وطاب َ ترابـها ونزيــلُها
ولنعم ما قال الشاعر :
قل للذي أفتى بهدم قبورهم
أن سوف تصلى في القيامة نارا
أعلمتَ أيّ مـراقد هـدمـتـها
هي للمــــــلائك لا تزال مـــزارا

وَصَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَأهلِ بَيتِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ .