النضج الدستوري ودوره في حفظ الأمم..!
الشيخ حسن النحوي ||
٢٧ آذار ٢٠٢٦

الدستور هو القانون الاعلى أو القانون الأساس الذي يقوم على تحديد القواعد الأساسية لشكل الدولة، ونظام حكمها، وشكل حكومته، وتنظيم سلطاته العامة، أما لفظ كلمة دستور فليس لفظاً عربياً، إنما هو لفظ فارسي و تركي ، ودخلت كلمة دستور إلى اللغة العربية عن طريق اللغة التركية.
و الأساس في تشريع أي دستور هو كونه انعكاساً لهوية البلد الذي يراد ان تحكمه قوانين هذا الدستور ، فلابد ان يكون نابعاً من ثقافته و معتقده و أعرافه الاجتماعية السائدة .
و سبب مراعاة هوية البلد في الدساتير حتى لا يعيش الناس حالة التناقض بين هويتهم و القوانين ، فيصبح المواطن يقبل الشيء و نقيضه التزاماً بدستور مستنسخ من هوية اخرى لا تمت لمائه و ارضه و سمائه بصلة .
و الامر الاخر المهم في الدستور هو حيويّته في مواجهة التطورات و التحديات ، اي يبقى ديناميكياً قادراً على مواكبة التطورات و التحديات التي تعصف بالبلد .
اذن في النهاية هو يراعي ( المصلحة العامة ) للناس ، و ليس لجماعة معينة ، حتى لو كانت هذه الجماعة المعينة هي ( الجسم السياسي ) للبلد .
فالنخبة ليست معصومة من الخطأ ، قد تنحرف و قد تُخترق و قد تُستهدف و تغتال بالسلاح او بالسياسة .
و الدستور الصخري الجامد هو ينفع النخبة التي كتبته .
و لا يُلام الشعبُ الذي صوّت له ، فالتصويت كان في زمان و احداث و تحديات تفرض عليه التصويت ، عندما كان الدستور يعني اللبنة الاولى لتكوين الدولة المستقلة عن المحتل الامريكي .
الدول التي لم تغيّر دستورها لعقود هي الدول الدكتاتورية و الدول الخاضعة لدول أخرى تتحكم بمصائرها ..
و المفارقة ان دستورنا الحالي تم التصويت عليه بحثٍّ من المرجعية الدينية لسببٍ مهم هو طرد المحتل الذي اراد ان يشرّع قانونا مؤقتاً للبلد في حينها ..
و كان رد المرجعية آنذاك ، ان هذا المؤقت المزعوم سينقلب الى دائم
مع مرور السنين .
فكان الاصرار على تشريع الدستور الدائم ليكون اللبنة الاولى لتأسيس انتخابات محلية و تكوين حكومة تسحب المبررات و الذرائع من وجود المحتل ، و هذا ما حصل بالفعل آنذاك .
قلت ( مفارقة ) ، لأن هناك من يتعكّز على الدستور لضرب سلوك المقاومة العراقية الحالية بالتصدي للمحتل ، المحتل الذي لم يتعبنا ( مشكوراً ) لإثبات وجوده العسكري القاتل من خلال طائراته و انزالاته .
كيف لا تكون مفارقة !
دستور تأسس كردّ فعلٍ لاحتلال البلد ، يتحول الى عكاز لمنع ابناء البلد من مواجهة المحتل حالياً .
و هنا أسجل ملاحظتين مهمتين :
١- المقاومة هي جزء من الدولة و ليست وجوداً شاذاً عليها ، فالدولة التي يتحدث عنها دستورنا هي الشعب و الارض و السلطات و ممكن اضافة ( السيادة ) لو سمحتم ، و المقاومة هم شباب من الشعب لم نستوردهم من الموزمبيق .
و هذا رابط من الدستور الامريكي يشرعن وجود مليشيا و يبيّن السبب لوجودها
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/us-con.html
٢- اين دور القضاء في أمرين مهمين
الأمر الاول : اغناء التجربة الدستورية و مواكبة التحديات و التطورات ، فالدستور الامريكي خضع لسبعين تعديلاً منذ وجوده ، لمواكبة العصر ، فلماذا لا نسمع بمبادرة من فقهاء القضاء بإضافة او تعديل ما ، خصوصاً و ان تشريعه كان في زمن قياسي ضيق و اغلب من اشرف على تشريعيه حينها كان يتحرك وفق عُقد الماضي و رواسبه ، فالاكراد رفضوا النظام الرئاسي مخافةَ عودة صدام جديد للحكم .
الامر الثاني :
حريٌّ بالاخوة القضاة الفات نظر الشعب الى مواد دستورية واضحة و بيّنة ، يخالفها السياسيون في بلدنا لمصالحهم الضيقة ، منها
١- مادة ١١١ تتحدث ان النفط و الغاز ملك كل الشعب ،اذن هناك حق للناس بالثروات و ضرورة العدالة في توزيع الثروة ، بينما تجد الثروة موزعة على موظفين غالبيتهم عاطلين عن العمل و بعض المستثمرين ، و النفط الذي هو حق الامة و ليس حق هذا المجتمع الحالي لا يذهب لبناء المشاريع الاستراتيجية و المصانع و المعامل و البنى التحتية المهمة .
٢- عدم الالتزام بالمدد الدستورية ، فهل من المعقول ان تحكمنا حكومة تصريف اعمال في هذا الظرف الحساس و الخطير .
٣- اين نحن من بعض مواد الدستور التي لا يرغب السياسيون الحاليون بتفعيلها ، لا لشيء الا لأنها ستأتي بأناس من صنف ( بطون شبعت ) من الاساس ، هم اعيان البلد و بامكانهم ان يكونوا صمام امان له بحكم اصالتهم و حجمهم في المجتمع .
مجلس الاتحاد العراقي هو مجلس يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به بقانون يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، ويشكل هذان المجلسان السلطة التشريعية الاتحادية وفق المادة (48) الباب الثالث الفصل الأول من الدستور والتي تنص «تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد».
ولكن للأسف إلى الآن لم يشكل في السلطة التشريعية الاتحادية سوى مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية العليا في العراق إلا ان مجلس الاتحاد لم يتم تشكيله ولا حتى تشريع قانونه من قبل الدورة الأولى لمجلس النواب كما نصت على ذلك المادة (65) من الدستور (المشار إليها آنفا).
فهذا المجلس الشبيه بمجلس الشيوخ الامريكي او مجلس الاعيان في العهد الملكي ، سيكون له دور مهم في ضبط ايقاع العملية السياسية و كبح جماح الفاسدين او المتسلطين منهم ، لأنه على ما اظن سيتكون من ( ابناء الخير ) من اعيان البلد .
أعلم أن الضغط الدولي و الاقليمي شديد ، و ان دول الخليج تحاول الضغط بمختلف المحاور لوقف الحرب التي ستعود بهم الى عصر الجِمال .
و لكن ارحموا هؤلاء الشباب الذين ينزفون دماً لأجل عزتكم و كرامتكم و سيادتكم ، هؤلاء الشباب الذين لا نعرفهم الا بعد مقتلهم على يد شرار خلق الله ، هؤلاء الشباب الذين يدافعون عن الديار و هم لا يملكون داراً كبقية البشر .
انتهى .




