العراق بين قبضة الدولار وضغوط الجغرافيا: اقتصادٌ ريعيّ في مواجهة الهيمنة المالية والاختناق الجيوسياسي..!
إبراهيم النداف – 27/3/2026

لم يعد الحديث عن الاقتصاد العراقي ممكناً بوصفه شأناً مالياً داخلياً منفصلاً عن بنية النظام الدولي وتحولاته الإقليمية. فالعراق، بما يمتلكه من ثروة نفطية هائلة، لا يعاني نقصاً في الموارد بقدر ما يواجه أزمةً في كيفية إدارة هذه الموارد، وفي طبيعة الشروط السياسية والمالية التي تتحكم في حركتها، وفي حجم القيود المفروضة على سيادته الاقتصادية. ومن هنا، فإنّ الإشكال لا يكمن فقط في كون العراق اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط، بل في أنّ هذا الريع نفسه يخضع في جزءٍ كبير من دورته المالية لمنظومة خارجية ترتبط بالدولار الأمريكي وبالمؤسسات المالية الأمريكية، في وقتٍ يتعرّض فيه البلد أيضاً لضغوط الجغرافيا السياسية ومخاطر الممرات الدولية والطاقة والأمن الإقليمي.
تكشف تقارير عدة صادرة عن المؤسسات الرسمية و غير الرسمية أنّ العراق يقف عند تقاطع حساس بين التبعية المالية من جهة، والهشاشة الجيوسياسية من جهة أخرى، وبينهما تتولد أزمات الاقتصاد والاستثمار والتنمية والسيادة. فالعائدات النفطية التي يفترض أن تكون ركيزة الاستقلال المالي، تحولت بحكم البنية القائمة، إلى مجالٍ من مجالات الضبط الخارجي. كما أنّ موقع العراق الجغرافي الذي يمكن أن يكون مصدر قوة جيو-اقتصادية، بات في كثير من الأحيان مصدراً للتعرض المستمر للصدمات الإقليمية. وبين الأمرين، تبدو قدرة الدولة على اتخاذ قرار اقتصادي مستقل محدودة، كما تبدو خياراتها التنموية مرهونة بسلسلة من القيود البنيوية التي لا يمكن فهمها إلا في إطار الاقتصاد السياسي الدولي.
أول مظاهر هذه الإشكالية يتمثل في البنية التي تُدار من خلالها الإيرادات النفطية العراقية. فالعراق على الرغم من كونه منتجاً ومصدّراً كبيراً للنفط الخام، لا يتحكم بصورة كاملة ومستقلة في الدورة النهائية لعائداته. إذ تُودع هذه العائدات ضمن حسابات تقع عملياً في إطار النظام المالي الأمريكي، وتحديداً في سياقات ترتبط بالاحتياطي الفيدرالي وآليات الرقابة الأمريكية. وهذا يعني أنّ وصول الدولة العراقية إلى أموالها لا يتم بصورة تلقائية ومحايدة، بل يمر عبر سلسلة من الإجراءات الرقابية والتنظيمية التي تفرض الإفصاح عن وجهات التحويلات وطبيعتها ومدى تطابقها مع معايير الامتثال المالي الدولي.
وبهذا المعنى، تكون المسألة جزءاً من بنية سلطة أوسع تتيح للولايات المتحدة هامشاً كبيراً من التأثير في سيولة العراق الدولارية، وفي توقيتات التحويل، وفي حجم التدفقات النقدية الداخلة إلى السوق المحلية. وهنا تتجلى إحدى أكثر مفارقات الاقتصاد العراقي وضوحاً: بلدٌ يملك ثروةً نفطية ضخمة، لكنه لا يملك حرية كاملة وفورية في الوصول إلى ثمرة هذه الثروة أو توظيفها بعيداً عن نظام رقابة خارجي. وهذا الوضع يعبّر عن هشاشةٍ إجرائيةٍ ومحدوديةٍ في معنى السيادة الاقتصادية نفسها.
ويتعزز هذا الواقع بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الدولار في الاقتصاد العالمي وفي الاقتصاد العراقي على وجه الخصوص. فالدولار بالنسبة إلى العراق يُعدّ عمود النظام المالي الذي يتحرّك من خلاله الاقتصاد العراقي في علاقاته الخارجية والداخلية معاً، ولا يقتصر على كونه عملة تسوية أو احتياط. ومن هنا فإنّ الاعتماد على الدولار يتجاوز كونه خياراً عملياً بسبب سيولته وانتشاره العالمي، ليعكس موقع العراق في بنية دولية غير متكافئة، تتحدّد فيها قواعد اللعبة الاقتصادية من قبل القوى المهيمنة على العملة والمؤسسات والأسواق.
في إطار مفهوم «القوة البنيوية» كما بلورته أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي، يمكن فهم السيطرة على العملة المهيمنة باعتبارها قدرة على صياغة قواعد التفاعل الاقتصادي العالمي، وعلى فرض حدود الحركة على الاقتصادات الطرفية. فإنّ هيمنة الدولار تمنح الولايات المتحدة قدرة لا تقتصر على التأثير في التدفقات المالية فحسب، بل تمتد إلى التأثير في السياسات النقدية والمالية للدول المرتبطة به. والعراق بوصفه اقتصاداً ريعيّاً مستورِداً لمعظم احتياجاته، يجد نفسه مضطراً إلى التحرك داخل هذه البنية، بما يجعل تبعيته للدولار مدخلاً لتبعيةٍ أوسع للخيارات المالية والجيوسياسية الأمريكية.
ولا تظلّ هذه التبعية مسألةً نظريةً أو مجرّدةً، إذ تظهر آثارها سريعاً في السوق العراقية وفي الأداء الاقتصادي اليومي. فعندما تتعرض التحويلات الدولارية للتأخير أو الرفض أو التشديد، تنخفض مستويات عرض العملة الأجنبية في السوق الداخلية، ويبدأ الضغط على سعر الصرف ويتراجع الدينار وترتفع الأسعار وتتسع الضغوط التضخمية. كما أنّ اضطراب الوصول إلى الدولار ينعكس على التجارة والاستيراد، ويرفع تكلفة التعاملات، ويزيد عدم اليقين في البيئة الاقتصادية إضافة إلى تأثيره السلبي على الاستقرار النقدي فقط. وهكذا، فإنّ أي تبدل في السياسات التنظيمية الأمريكية أو في مزاج النظام المالي الدولي ينتقل بسرعة إلى الداخل العراقي، بما يحوّل الاقتصاد الوطني إلى اقتصادٍ شديد القابلية لامتصاص الصدمات الخارجية.
وتزداد خطورة هذا الواقع حين يقترن ببنية الاقتصاد العراقي نفسها. فللعراق كما قلنا اقتصاد ريعي بامتياز، تعتمد الدولة فيه بصورة رئيسة على عائدات تصدير النفط الخام. وهذه الطبيعة الريعية تجعل المالية العامة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية ولمسارات التصدير ولمستوى الطلب الخارجي. كما تجعل الاقتصاد أقل تنوعاً وأكثر هشاشةً، لأنّ قطاعات الإنتاج الأخرى لم تتطور بالقدر الكافي لكي تشكل دعامة بديلة أو موازية. ومن ثمّ فإنّ أيّ اضطراب في أسواق النفط أو في طرق تصديره يتحوّل من حدثٍ قطاعيٍّ إلى أزمةٍ ماليةٍ عامة تمسّ الموازنة والنقد والاستثمار والقدرة على الإنفاق والتشغيل.
هنا يبرز العامل الجيوسياسي بوصفه شريكاً مباشراً في تشكيل المأزق الاقتصادي العراقي. فالعراق يتموضع في قلب منطقة شديدة التوتر، تتقاطع فيها خطوط الطاقة والتجارة والنفوذ العسكري. وموقعه هذا، على الرغم من إمكاناته الهائلة، يجعله عرضة بشكل دائم لتداعيات الصراعات الإقليمية. فإغلاق ممر بحري استراتيجي مثل مضيق هرمز، أو تصاعد التوتر في الخليج، أو استهداف البنية التحتية للطاقة، يمكن أن ينعكس فوراً على قدرة العراق على التصدير، وعلى حجم إيراداته، وعلى استقرار سوقه الداخلية.
وتشير التحليلات المرتبطة بتقارير «الآثار الاقتصادية للتحولات الإقليمية» و«تحولات الجيوبوليتيك الطاقوي» إلى أنّ الاقتصاد العراقي يتأثر بأسعار النفط وبِهندسة الممرات التي يعبرها النفط، وبالخرائط الإقليمية التي تتحكم بالوصول إلى الأسواق. فضعف شبكة الأنابيب، وتركّز التصدير في مسارات محددة، وغياب التنوع الكافي في منافذ الطاقة، كلّ ذلك يجعل العراق أكثر تعرّضاً للاختناق الجغرافي. ومعنى ذلك أنّ أمن الطاقة بالنسبة إلى العراق لم يعد مسألة اقتصادية خالصة، بل بات جزءاً من معادلة الأمن القومي والاستقرار المالي.
وفي الوقت نفسه، فإنّ الجغرافيا التي تضغط على العراق قادرة أيضاً، إذا أُحسن توظيفها، على أن تتحول إلى مصدر قوة. فالتقارير المشار إليها تُبرز أنّ العراق يمتلك مؤهلات مهمة ليكون ممراً إقليمياً للطاقة والتجارة، وأن يتحول من مجرد دولة مصدّرة للنفط الخام إلى عقدة جيو-اقتصادية تربط بين المشرق والخليج وشرق المتوسط وآسيا. غير أنّ هذا الإمكان ما يزال معطلاً بفعل ضعف البنية التحتية، وتراجع الاستثمار، وتعقد البيئة المؤسسية، وتراكم الاضطرابات الأمنية والسياسية. وهكذا، تقف الدولة العراقية بين جغرافيا تُقيّدها إذا تُركت بلا استراتيجية، وجغرافيا يمكن أن ترفع من وزنها إذا أُعيد تعريف دورها في النظام الإقليمي.
غير أنّ الانتقال إلى هذا الدور الأكثر فاعلية يظل رهيناً بعقبة بنيوية أخرى، تتمثل في أزمة الاستثمار. فالعراق، رغم ما يملكه من موارد وسوق واحتياجات تنموية وفرص كبيرة، لا يزال عاجزاً عن استقطاب استثمارات نوعية ومستقرة بالقدر الذي يسمح بإحداث تحوّل فعلي في بنيته الاقتصادية. والسبب في ذلك لا يعود إلى نقص الفرص بقدر ما يرتبط بضعف البيئة المؤسسية والقانونية، وبتراكم البيروقراطية، وغياب الاستقرار التشريعي، وضعف الثقة، وارتفاع المخاطر الأمنية والسياسية.
إنّ مشكلة الاستثمار في العراق، كما تُظهرها الدراسات ذات الصلة، تتصل مباشرة بطبيعة الدولة الريعية نفسها، ولا تقتصر على مسألة إجرائية تتعلق بتسهيل الترخيص أو تعديل قانون هنا أو هناك. فالدولة التي تعتمد على النفط لا تجد نفسها مضطرة، بالقدر نفسه، إلى بناء تعاقد اقتصادي داخلي قائم على الإنتاج والضرائب والمساءلة. ولهذا، يبقى القطاع الخاص ضعيفاً، ويبقى النظام المالي غير متطور بما يكفي، وتبقى الحاجة إلى الإصلاح الشامل مؤجلة أو مرتبطة بموازين القوى السياسية. ومن هنا، فإنّ ضعف الاستثمار يُعدّ جزءاً من بنية اقتصادٍ سياسيٍّ متكاملٍ قائمٍ على الريع والاعتماد الخارجي وضعف المساءلة.
وعند هذه النقطة، يتداخل العامل المالي بالعامل الجغرافي وبالعامل المؤسسي في إنتاج دائرة تبعية متكاملة. فعلى المستوى التشغيلي، يعتمد العراق على الآليات الرقابية الأمريكية للوصول إلى عائداته النفطية. وعلى المستوى البنيوي، يعتمد على الدولار بوصفه عملة مهيمنة لا يملك بديلاً فورياً عنها. وعلى المستوى الاقتصادي الداخلي، يعتمد على النفط في تمويل الدولة، من دون تنويع كافٍ في القاعدة الإنتاجية. وعلى المستوى الجيوسياسي، يعتمد على ممرات طاقة ومسارات تصدير معرضة للاهتزاز بفعل توترات المنطقة. وعلى المستوى التنموي، يعاني من بيئة استثمارية متعثرة تمنع تحويل الإمكانات إلى قوة اقتصادية فعلية.
إنّ الخروج من هذه الدائرة لا يبدو ممكناً من خلال خطوة واحدة حاسمة، كالتخلّي الفوري عن الدولار أو القفز المفاجئ نحو نموذج اقتصادي مختلف. فالتقارير نفسها تميل إلى الواقعية في هذا الباب، وتشير إلى أنّ الاستغناء الكامل عن الدولار في المدى القصير غير ممكن، لأسباب تتعلق بسيولته العالمية، ومكانته في التجارة الدولية، وطبيعة الاحتياطيات، وارتفاع كلفة البدائل مثل الذهب أو المعادن الثمينة من حيث الحفظ والمرونة والاستخدام. لكن هذا لا يعني القبول باستمرار الوضع القائم، بل يعني أن التحرر من التبعية يقتضي مساراً تدريجياً ومدروساً.
وهذا المسار يبدأ من تنويع الاحتياطيات، وتوسيع هوامش المرونة المالية، وإصلاح البنية المصرفية، وتقوية أدوات الدولة النقدية، وتطوير بيئة الاستثمار، وتوسيع منافذ الطاقة، وبناء شبكات تصدير بديلة، والأهم من ذلك إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد بعيداً عن النمط الريعي الخالص. فالعراق يحتاج إلى مزيد من الإيرادات وإلى مزيد من السيطرة على كيفية إنتاج هذه الإيرادات وتدويرها وتوظيفها. كما يحتاج إلى حماية الموازنة وبناء قاعدة اقتصادية تقلّل من تعرّضه الدائم لتقلّبات الخارج.
في المحصلة، يتبيّن أنّ مسألة التبعية المالية للعراق تمثّل تعبيراً عن أزمة أوسع تتعلق بموقع البلد في النظام الدولي، وبطبيعة اقتصاده، وبضعف مناعته الجيوسياسية، وبحدود سيادته الفعلية. فالعراق اليوم يقف عند تقاطع المال والنفط والجغرافيا والسياسة، حيث يتحول الدولار إلى أداة تأثير، ويتحول النفط إلى مصدر هشاشة بقدر ما هو مصدر قوة، وتتحول الجغرافيا إلى عبء إن لم تُدار استراتيجياً، كما يتحول الاستثمار إلى مرآة لأزمة الدولة نفسها.
ومن هنا، فإنّ الرهان الواقعي ينبغي أن ينصبّ على بناء استراتيجية عراقية طويلة النفس لتقليل الاعتماد، وتوسيع الهامش، واستعادة جزء أكبر من السيادة الاقتصادية. تلك هي المعركة الحقيقية: ليس كيف يخرج العراق دفعةً واحدة من قبضة الدولار، بل كيف يبدأ، بهدوء وإصرار، في فكّ التشابك الذي جعل ثروته خاضعة لغيره، وجغرافيته عبئاً عليه، ومستقبله الاقتصادي رهناً بمعادلات لا يصنعها وحده.
خاتمة
في ضوء ما تقدّم، يتّضح أنّ الإشكالية التي يواجهها العراق تتجاوز الاختلالات الظرفية والقيود الإجرائية، وترتبط ببنيةٍ عميقة من التبعية المالية التي تُقيد قدرته على إدارة موارده السيادية، وتحدّ من فاعلية قراره الاقتصادي المستقل. فاستمرار خضوع الدورة المالية للعائدات النفطية لآلياتٍ خارجية، وفي مقدّمتها النظام الدولاري والمؤسسات المالية الأمريكية، يُمثّل خللاً في أدوات الإدارة ويعكس اختلالاً في موقع العراق داخل منظومة الاقتصاد السياسي الدولي.
وعليه، فإنّ استعادة قدرٍ أعلى من السيادة الاقتصادية تقتضي إعادة النظر في هذه البنية عبر مسارٍ تدريجي ومدروس يستهدف تقليص الاعتماد على الدولار، وتحرير حركة العائدات النفطية من القيود الخارجية، وبناء منظومة مالية وطنية أكثر استقلالاً ومرونة. وهذا يتطلب، إلى جانب تنويع الاحتياطيات وتعزيز القدرات النقدية، تطوير قنوات بديلة لإدارة الإيرادات، والانفتاح على ترتيبات مالية وتجارية متعددة الأطراف، بما يحدّ من قابلية الاقتصاد العراقي للتأثر بالضغوط السياسية والمالية الخارجية.
إنّ الرهان في هذا السياق ينصبّ على إعادة التموضع داخل النظام المالي الدولي من موقعٍ أكثر توازناً، يتيح للعراق توظيف موارده بما يخدم أولوياته التنموية، مع التحرّر التدريجي من شروط الهيمنة الخارجية. فبقدر ما ينجح العراق في فكّ الارتباط التدريجي بين ثروته النفطية ومنظومة الهيمنة المالية، يقترب من تحويل هذه الثروة إلى رافعةٍ حقيقية للسيادة والاستقرار والتنمية المستدامة.




