الخميس - 14 مايو 2026
منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴿72﴾ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿النساء:73﴾.

تفضح هاتان الآيتان صنفًا من الناس، يندسّون في المجتمع المؤمن، يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر.

وقد يكونون مؤمنين غير منافقين، ولكنهم جُبَناء، يخافون الموت ويخشون الخسران، ولا استعداد لديهم أن يُضحّوا ولو بالقليل في سبيل دينهم، أو مجتمعهم، أو وطنهم، أو كرامتهم.

لا همَّ لهم إلا أن يعيشوا ويأكلوا ويستمتعوا بالحياة، ولو كان ذلك على حساب كرامتهم ودينهم.

وفي حين أنهم يحرصون على حياتهم، يحرصون أيضًا على مشاركة المجاهدين المضحين في المكاسب والغنائم؛ فهم من جهة يتخلّفون عن القتال، ومن جهة أخرى يريدون المشاركة في الأرباح والمكاسب.

فإذ جاء النفير إلى الجهاد، تلبّثوا وتباطؤوا وتعلّلوا بالعِلَل والمعاذير الواهية.

ولا يكتفون بالتباطؤ، بل يبطّئون غيرهم، ويشكّلون حالة سلبية في المجتمع تعمل على تثبيط العزائم، وتعظيم شأن العدو، والتهويل بقدراته، والتقليل من شأن المجاهدين، والعمل على بَثّ الخوف واليأس في نفوسهم، ودعوتهم إلى التثاقل عن الجهاد وقتال العدو.

ويستخدمون حججًا واهية مثل: الحذر واجب، والوقت غير مناسب، والبلد لا يحتمل، ولا نملك القوة الكافية، وكفانا حروبًا، ونريد أن نرتاح، ولسنا ساحة للآخرين، ولا نقبل أن نقاتل دفاعًا عن غيرنا.

فإذا كانت الهزيمة من نصيب المجاهدين، أظهروا الفرحة، وحمدوا لأنفسهم هذا الموقف المتخاذل الذي كان منهم، وقال قائلهم: “قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا”، يحسبون أنهم نجوا بأنفسهم وسلِموا من الجراح أو القتل، وما دروا أنهم من أخسر الأخسرين، حيث فاتهم ثواب الجهاد ومقاتلة العدو.

وإن كانت الغلبة للمجاهدين، نظروا إلى ما أنجزوه وما حصلوا عليه من مكاسب، فامتلأت نفوسهم حسرةً وأسًى وندمًا، وتمنّوا لو كانوا في جمعهم وركبهم المنتصر الظافر، وقالوا، ونفوسهم تتقطّع كمدًا وحسرةً: “يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا”.

وهذه خسّة ونذالة، كأن لم تكن بينهم وبين المجاهدين علاقة، وكأنهم لا يعرفونهم ولا يعرفون غاياتهم الشريفة، وكأن ليس بينهم قرابة أو دين أو وطن يجمعهم، ولكن الجُبن هو الذي يقطع أواصر العلاقة بينهم، وهو الذي يمنعهم من الخروج معهم أو نصرتهم ولو بالموقف والكلمة.

إن هؤلاء المبطئين يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرّون عليها إصرارًا، كما تفيده كلمة “لَيُبَطِّئَنَّ”.

إنهم يتعمّدون ذلك عن سبق تصميم، يبطؤون أنفسهم ويبطؤون غيرهم، مما يوحي بشدة إصرار هذا الصنف على التبطئة، وشدة أثرها في المجتمع المؤمن. لذلك يكشف الله نفسياتهم وأساليبهم.

إن المبَطِّئين انتهازيون، يغيرون مواقفهم حسب النتائج. فإذا مُني المؤمنون بخسارة، قالوا: كان قرارنا بالتخلّف عنهم صائبًا، وإذا انتصر المؤمنون، قالوا: يا ليتنا شاركناهم. فهم انتهازيون وليسوا مبدئيين، لا يتحركون وفق مبادئ واضحة، ولا تحكم مواقفهم قِيَم أخلاقية، فلا يمكن المراهنة عليهم بحال من الأحوال، بل الأفضل أن يتم استثناؤهم وتنقية المجتمع منهم.

فجر يوم الجمعة الواقع في: 27/3/2026 الساعة (04:17)