الخميس - 14 مايو 2026

إيران بين الردع الصاروخي وحدود الحسم البري .؟

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في خضم التصعيد المُتسارع الذي تشهده المنطقة ، ومع أتساع رقُعة المُواجهة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، يبرز سؤال محوري يتجاوز الضجيج الإعلامي إلى جوهر التوازنات العسكرية وهو هل تمتلك إيران القدرة الفعلية على خوض مواجهة برية مُباشرة مع قوتين تمتلكان تفوقاً تقنياً وعسكرياً عالمياً .؟
أم أن ما نشهده هو إعادة تعريف لمفهوم الردع أكثر منه أستعداداً لحرب تقليدية شاملة .؟

المعطيات الميدانية والتقارير الصادرة عن مراكز دراسات أستراتيجية غربية ، مثل “مُؤسسة راند” و”المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، تُشير إلى أن إيران لم تبنِ عقيدتها العسكرية على أساس خوض حروب برية تقليدية واسعة النطاق خارج حدودها ، بل على مزيج معقد من “الردع غير المُتكافئ” و”الحرب الهجينة”، وهو ما يعكس إدراكاً عميقاً لفجوة القوة بينها وبين خصومها .

في هذا السياق ، فقد طورت إيران منظومة ردع متعددة الطبقات ، قوامها الأساسي ترسانة صاروخية مُتقدمة ، وقدرات واسعة في مجال الطائرات المُسيرة ، إلى جانب أدوات الحرب غير التقليدية ، ورغم الضربات التي أستهدفت بُنيتها العسكرية مُؤخراً ، فإن تقديرات أستخباراتية ، بما في ذلك تصريحات المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية “جون برينان”، تؤكد أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرة مُعتبرة على الرد ، وأن الهدف الاستراتيجي المعلن بإسقاط النظام لم يتحقق .؟

إن أمتلاك أدوات الردع لا يمكن أختزاله بوصفه عامل تعطيل فقط ، بل يعكس أيضاً بُنية عسكرية تراكمت عبر عقود من التكيّف مع الضغوط والحصار ، وهو ما منح إيران خبرة عملية في إدارة الصراع تحت قيود معقدة ، وبناء قُدرات عسكرية وبشرية كبيرة ، فمنذ أكثر من أربعة عقود ، طورت طهران نموذجاً قتالياً قائماً على “الإيمان والعقيدة والصمود والمرونة” ، وتعويض فجوات التفوق التقليدي بوسائل غير مُتماثلة ، ما مكّنها من الاستمرار والمُبادرة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب .

وفي هذا الإطار ، لا يُمكن الجزم بشكل قاطع بحدود الأداء العسكري الإيراني في حال أندلاع مُواجهة برية شاملة ، لأن جُزءاً مُهماً من قُدراته ، سواء على مُستوى الجيش النظامي أو قوات الحرس الثوري ، لم يُختبر في حرب تقليدية واسعة النطاق مع قوة عظمى ، كما أن طبيعة العقيدة القتالية الإيرانية التي تمزج بين “الدفاع الصلب” و”الهجوم غير المباشر”، قد تفرض واقعاً ميدانياً مُختلفاً عن النماذج الكلاسيكية للحروب البرية .

في المقابل ، تبقى الحروب البرية الحديثة رهينة مجموعة مُعقدة من العوامل ، تشمل السيطرة الجوية ، والقدرة اللوجستية ، وأستدامة خطوط الإمداد ، وهي عناصر تشكل تحديات لأي طرف ، بغض النظر عن حجمه ، غير أن خصوصية الحالة الإيرانية تكمُن في أن أي مُحاولة لأختراقها برياً لن تكون عملية عسكرية تقليدية سهلة ، بل ستواجه بجغرافيا قاسية ، وبُنية دفاعية مُتشابكة ، وقدرات ردع مُتعددة الطبقات ، ما يجعل كُلفة أي تدخل بري مُحتمل مُرتفعة إلى حد كبير ، وربما غير قابلة للتحمل سياسياً وعسكرياً .
وعليه ، فإن السيناريو الأقرب إلى الواقعية لا يتمثل في حسم سريع لصالح طرف دون آخر ، بل في أحتمال أنزلاق أي مواجهة برية إلى صراع طويل ومُعقد ، تُستنزف فيه القدرات، وتتداخل فيه الجبهات، وهو ما يفسر الحذر الشديد في اتخاذ قرار من هذا النوع .

في المقابل ، تدرك إيران هذه المُعادلة جيداً ، ولذلك تُركز أستراتيجيتها على الاستنزاف ، وجعل كُلفة الحرب البرية باهظة إلى حدّ الردع ، بدلاً من السعي إلى حسمها تقليدياً ، وهنا يبرز عامل الجغرافيا بوصفه عنصراً حاسماً ، فإيران دولة واسعة تتجاوز مساحتها ( 1,650,000 ) مليون كيلومتر مربع ، ويقترب عدد سكانها من ( 95 ) مليون نسمة ، وتتميز بتضاريس مُعقدة وقاسية ، ما يجعل أي غزو بري مُباشر مُغامرة عالية الكلفة ، وقد أكدت ذلك مراراً دراسات عسكرية أمريكية تناولت سيناريوهات المواجهة مع طهران .
إضافة إلى ذلك ، تعتمد إيران على شبكة من الحلفاء الإقليميين والقوى غير النظامية ، ما يمنحها عُمقاً أستراتيجياً يتجاوز حدودها الجغرافية ، ويحوّل أي صراع بري إلى حرب مُتعددة الجبهات ، وهو سيناريو لا يخدم بالضرورة مصالح واشنطن أو تل أبيب على المدى الطويل ، ولا تعني هذه المُقاربة تفوقاً إيرانياً بقدر ما تعكس قدرة على التعقيد والتشتيت ، وإدارة الصراع بأدوات غير تقليدية .

بناءً على ذلك ، يمكن القول إن إيران لا تسعى إلى مواجهة برية شاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، لأنها تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يخدمها ، لكنها في المقابل ، نجحت إلى حد كبير في بناء نموذج ردع يجعل من أي مُحاولة لغزوها أو أستهدافها برياً قراراً بالغ الخطورة ، وربما أقرب إلى مُغامرة غير محسوبة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً .

ختاماً .. تقف المنطقة اليوم على حافة توازن هش تحكمه مُعادلة “الردع المُتبادل غير المتكافئ”، حيث لا تملك إيران القُدرة على حسم حرب برية تقليدية واسعة ، لكنها تملك ما يكفي لجعل هذه الحرب خياراً مُكلفاً إلى درجة الردع .

ومن هنا ، فإن الحكمة الاستراتيجية تقتضي من جميع الأطراف تجنب الانزلاق نحو هذا السيناريو ، والبحث عن مسارات لاحتواء التصعيد.

إن إدارة الصراع لا حسمه هي العنوان الأبرز في هذه المرحلة ، وأي قراءة واقعية للمشهد يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة :

أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في ساحات القتال ، بل في قدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد ، ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خرائط المنطقة ، ولكن بكلفة لا يمكن لأي طرف تحملها …!