دعوات حلّ الحشد الشعبي بين المخاطر الأمنية ومسؤولية الدولة..!
هادي خيري الكريني ||
كاتب مختص بالاحصاء والمال والسياسة والاقتصاد
25/3/2026 الأربعاء

وإن تعجب اراك الدهر عجبا.!
قال تعالى:
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173).
تتداول بعض مواقع التواصل الاجتماعي أصواتًا تدعو إلى دمج الحشد الشعبي أو سحبه من مواقعه، بل وصل الأمر إلى المطالبة بمنحه إجازة مفتوحة، متذرعين بأن ذلك يأتي لحمايته من القصف الجوي.
هذه الأصوات، في حقيقتها، لا يبدو أن هذه الطروحات نابعة من اجتهادات ذاتية أو رؤى وطنية خالصة، بل تشير الوقائع إلى أنها نتاج توجيهات صدرت من جهات تستغل مواقعها السياسية، وتُقدّم نفسها بوصفها الأحرص على مصلحة البلاد، في حين تمتلئ رؤوس بعضهم بأفكار مغلوطة تُغذّيها دوائر مشبوهة أو جهات معادية.
كما أن بعض المواقف المعلنة من جهات سياسية، ومنها ما صدر عن المجلس السياسي السني من بيانات تتبرأ من الحشد وتدعو إلى استهدافه أو حله، تثير تساؤلات جدية حول الجهات التي تقف خلف هذه الدعوات، ومن يملي مثل هذه الطروحات التي تُعدّ، في نظر الكثيرين، مواقف خطيرة ومثيرة للجدل.
إن سحب الحشد الشعبي من مواقعه، وفق هذا الطرح، لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري أو تنظيمي بسيط، بل قد تكون له تداعيات خطيرة، إذ إن ذلك قد يؤدي إلى فراغ أمني كبير، يُستغل من قبل الجماعات الإرهابية، ولا سيما الخلايا النائمة التي تنتظر مثل هذه الفرص لإعادة نشاطها.
كما أن هذا الفراغ قد يفتح المجال أمام تدخلات خارجية أو دعم جوي من جهات معادية، ما قد يسهم في زعزعة الاستقرار وإضعاف العملية السياسية، وربما يقود إلى سيناريوهات أكثر خطورة، منها تفكك البلاد أو تقسيمها.
أما الحديث عن وجود الجيش والشرطة الاتحادية كبديل كافٍ، فيستدعي التذكير بما جرى في مراحل سابقة، حيث كانت القوات الأمنية تمتلك إمكانات كبيرة، ومع ذلك تعرضت للاستهداف والتفكيك عبر حملات إعلامية وسياسية، أعقبها انهيار أمني واسع أدى إلى سقوط مساحات كبيرة من البلاد ووصول التهديد إلى أبواب العاصمة.
وفي تلك الظروف، برز دور الحشد الشعبي بوصفه قوة مساندة أعادت تنظيم الصفوف، وأسهمت في دعم القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها، ليشكل ركيزة أساسية في استعادة التوازن الأمني.
واليوم، يرى كثيرون أن الحشد أصبح عنصر قوة واستقرار، وسدًا أمام محاولات الانقلاب أو الإخلال بالوضع السياسي، فضلًا عن كونه ضمانة مهمة لوحدة البلاد.
ومن هنا، فإن ما يثير القلق هو صمت الجهات الرسمية تجاه هذه الدعوات، وعدم اتخاذ مواقف واضحة إزاءها، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التردد، وما الذي يُنتظر حدوثه قبل التحرك الجاد.
وعليه، تتحمل الحكومة مسؤولية حماية الحشد الشعبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك توفير منظومات دفاع جوي بشكل عاجل، والسعي للحصول عليها من مختلف المصادر، إلى جانب إعلان موقف رسمي وشعبي داعم له.
كما يُنتظر من القوى السياسية، ولا سيما النواب بمختلف توجهاتهم، التصدي لهذه الدعوات، واستنكارها، والعمل على تفنيدها عبر الوسائل الإعلامية الرسمية والحزبية والشعبية، مع تعزيز حالة التعبئة العامة وشحذ الهمم الوطنية.
وفي الختام، يبقى الإيمان حاضرًا بأن الله تعالى لن يترك عباده، وأن الثبات والوحدة هما السبيل لتجاوز التحديات، قال تعالى: (فلا تخافوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
الله أكبر، الله أكبر فوق المعتدي.




