من وهم الحسم إلى مأزق الاستنزاف: كيف أعاد صمود إيران رسم معادلات الحرب وقيّد خيارات واشنطن..!
إبراهيم الندّاف 25/3/2026

تمهيد
في ظلّ تحوّلاتٍ متسارعة تشهدها المنطقة، تأتي هذه الدراسة لتفكيك واحدةٍ من أكثر المواجهات تعقيداً في التاريخ المعاصر، حيث تتقاطع فيها اعتبارات القوة العسكرية مع معادلات الصمود السياسي والإرادة الاستراتيجية. فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، لم تعد مجرّد مواجهة تقليدية تُقاس بموازين التفوّق العسكري، بل تحوّلت إلى اختبارٍ عميق لقدرة كلّ طرف على إدارة الزمن، وامتصاص الضغوط، وإعادة إنتاج عناصر القوة في بيئة صراع مفتوح.
وفي هذا السياق، تكشف الوقائع الميدانية عن مفارقة لافتة: كلّما تصاعدت أدوات الضغط العسكري، ازداد تعقيد المشهد، وتراجعت احتمالات الحسم. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة هذه الحرب بوصفها نموذجاً لصراعٍ غير متكافئ، تتبدّل فيه معايير النصر والهزيمة، وتتقدّم فيه معادلة الصمود بوصفها ركيزةً استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. هذه المقدّمة تضع القارئ أمام الإطار العام لتحليلٍ يسعى إلى فهم طبيعة المأزق الذي تواجهه واشنطن، وكيف أسهمت ديناميات المواجهة في إعادة رسم قواعد الاشتباك وتقييد خيارات التصعيد.
وانطلاقاً من هذا الإطار التحليلي، تتوزّع هذه الدراسة على ثلاثة محاور رئيسة تُقارب أبعاد هذا الصراع المتشابك من زوايا متكاملة؛ إذ يتناول المحور الأول مسألة تبدّد أوهام الحسم وانزلاق واشنطن إلى منطق حرب الاستنزاف، بما يكشف حدود القدرة الأمريكية على ترجمة التفوّق العسكري إلى نتائج سياسية. أمّا المحور الثاني فيركّز على سقوط رهانات التحجيم وصعود معادلة الردع التي فرضتها إيران ومحور المقاومة، بوصفها تعبيراً عن تحوّل نوعي في موازين القوة. في حين يعالج المحور الثالث مزالق التصعيد وحدود الخيارات الأمريكية بين الاستمرار في الحرب أو البحث عن مخرجٍ يحدّ من الخسائر، في ضوء تعقيدات المشهد الإقليمي وتداعياته المتصاعدة على النظام الدولي.
أولاً: حربُ الاستنزاف وتبدّد أوهام الحسم: مأزقُ واشنطن وصعودُ معادلة الصمود الإيرانية
مع انقضاء حوالي أربعة أسابيع على اندلاع العدوان الأمريكي – الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران، أخذت ملامح نمطٍ متكرر في السلوك العسكري الأمريكي تتكشّف بوضوحٍ أكبر، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان تجارب واشنطن السابقة في حروبٍ طويلة الأمد افتقدت الرؤية والنتائج. فالصراع الراهن، وإن لم يتحوّل بعدُ إلى حرب برّية واسعة كما شهدته ساحات أفغانستان أو العراق أو فيتنام، إلا أنّ بنيته الاستراتيجية تكشف عن أزمة عميقة: مواجهة مفتوحة بلا أهداف محددة، ولا تصورٍ واقعي للنصر، ولا استراتيجية خروج قابلة للتطبيق.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تنزلق مجدداً إلى منطق حرب الاستنزاف، وإن اختلفت أدواتها. فبدلاً من الاعتماد على الانتشار البرّي واسع النطاق، تتقدّم العمليات الجوية والبحرية لتقود مسرح المواجهة، في حرب مرشّحة لأن تطول أشهراً وربما سنوات، مع ما يرافق ذلك من كلفة متزايدة على الاقتصاد العالمي،
واضطراب في أسواق الطاقة، وتداعيات إنسانية تمتد آثارها إلى شعوب المنطقة، من إيران إلى لبنان وسائر الإقليم. وهنا تعود معادلة عدم التكافؤ لتفرض حضورها من جديد، حيث لا يضمن التفوّق العسكري الحسم، بل قد يتحوّل إلى عبءٍ استراتيجي في مواجهة خصمٍ يعتمد على الصمود، وتراكم القدرة على الردّ، وإدارة الزمن كعامل قوة.
بالنسبة إلى واشنطن، فإنّ تحقيق ما تصفه بـ«النصر» يستلزم بلوغ أهداف قصوى، في مقدّمتها إسقاط النظام أو تحييد إيران بالكامل وإقصاؤها عن دورها الإقليمي. غير أنّ الوقائع الميدانية، حتى اللحظة، تشير إلى عكس ذلك تماماً. فالنظام في طهران لم يتعرّض لانهيار، والقدرات الدفاعية والردعية لم تُفكَّك، بل بقيت فاعلة ومؤثرة، فيما استمرت إيران في ممارسة دورها الإقليمي وحماية مصالحها الحيوية. أمّا على الضفة المقابلة، فإنّ معادلة الصمود التي تتبنّاها الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة لم تعد مجرد خيار تكتيكي، بل تحوّلت إلى ركيزة استراتيجية، مقرونةً بقدرة متنامية على فرض توازن ردع، والتلويح بأدوات ضغط حساسة تمسّ أمن الطاقة والممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بما يعيد ربط استقرار الاقتصاد العالمي بأمن المنطقة وسيادتها.
لقد بات واضحاً أنّ الحملة المكثّفة من الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة، رغم اتساع نطاقها وكثافتها، لم تحقق الأهداف المعلنة. فلا بنية النظام تزعزعت، ولا منظومة القيادة والسيطرة تفككت، ولا القدرة الإيرانية على الردّ تراجعت. بل على العكس، أظهرت الجمهورية الإسلامية قدرة عالية على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم صفوفها، مستندة إلى شبكة مؤسساتية مرنة تواصل العمل حتى في ظل استهداف القيادات، وإلى نمط إدارة عمليات يعتمد على توزيع الصلاحيات وتعزيز اللامركزية، بما يضمن استمرارية الفعل العسكري في مختلف الظروف.
ومن المفارقات اللافتة أنّ استهداف القيادات العليا، الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب لإحداث صدمة تؤدي إلى انهيار داخلي، لم يفضِ إلى النتائج المتوقعة، بل ساهم في تعزيز التماسك الداخلي وتثبيت شرعية المواجهة. فاستشهاد عدد من القيادات، وفي مقدمتهم السيد علي خامنئي، لم يؤدِّ إلى تمرّد أو تفكك، بل حافظت المؤسسات على تماسكها، واستمر الأداء العسكري بصورة منسجمة. بل إنّ هذا التطور قد أسهم في تسريع انتقال القيادة ضمن بيئة مشحونة، ما أفضى إلى صعود التيار الأكثر صلابة داخل النظام، ممثلاً في شخصية مجتبى خامنئي، المرتبط عضوياً بالحرس الثوري، والحامل لرؤية عقائدية واضحة تقوم على مواجهة الضغوط وعدم تقديم التنازلات.
وقبل اندلاع الحرب، كان بعض التحليلات يذهب إلى أنّ غياب القيادة التاريخية قد يفتح الباب أمام مراجعات داخلية أو تحولات تدريجية في بنية الحكم. غير أنّ ظروف الحرب أعادت تشكيل هذا المسار، إذ أدّى الضغط الخارجي إلى نتيجة معاكسة، تمثّلت في تعزيز التيار المتشدّد، وترسيخ خيار المواجهة، وتضييق هامش البراغماتية. وهكذا، تحوّل الرهان على «تفكيك الداخل» إلى عاملٍ إضافي في توحيده، في إطار معادلة باتت أكثر وضوحاً: كلما اشتدّ العدوان، ازداد التماسك، وتراجعت فرص الاختراق.
أمام هذا الواقع، قد تميل واشنطن إلى تصعيد إضافي، سواء عبر طرح خيار التدخل البرّي أو عبر محاولة استثمار التناقضات الداخلية. غير أنّ هذه السيناريوهات تنطوي على مخاطر جسيمة، إذ قد تفتح المجال أمام مواجهة أوسع وأكثر تعقيداً، يصعب احتواؤها أو ضبط إيقاعها. فكل خطوة تصعيدية مرشّحة لأن تُقابل بردّ مضاعف، في ظل معادلة «توازن الردع» التي أخذت تترسّخ تدريجياً بفعل صمود قوى المقاومة وتماسك جبهتها.
وعليه، فإنّ استمرار هذا المسار لن يفضي إلا إلى مزيد من الاستنزاف والتعقيد. ومع اهتزاز الاقتصاد العالمي وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، تبرز حقيقة يصعب تجاهلها: الرهان على القوة العسكرية وحدها لم ولن يحقق لواشنطن ما عجزت عنه حتى الآن. بل إنّ هذا النهج يعمّق المأزق، ويؤخّر لحظة الاعتراف بأنّ معادلات القوة تغيّرت، وأنّ فرض الوقائع بالقوة لم يعد خياراً مضمون النتائج في مواجهة قوى تمتلك إرادة الصمود وأدوات الردع.
في المحصلة، تتبدّد أوهام النصر في هذه الحرب، ويتكرّس واقع جديد عنوانه الأبرز: صراع مفتوح تُدار فيه المعركة على إيقاع الزمن، لا على حسمٍ سريع، حيث تتحوّل القدرة على الصمود إلى عنصر تفوّق، ويتحوّل الإفراط في القوة إلى عبءٍ استراتيجي يقيّد صاحبه أكثر مما يحرّره.
ثانياً: سقوطُ رهانات التحجيم وانكشافُ فخّ التصعيد: إيران تُرسِّخ معادلة الردع وتُربك حسابات واشنطن
يتّضح على نحوٍ متزايد أنّ الحملة الأمريكية – الصهيونية على الجمهورية الإسلامية في إيران لم تنجح، ولن تنجح في تحقيق الهدف المركزي الذي رُسم لها، والمتمثل في إسقاط النظام أو إحداث تحوّل جوهري في بنيته ووظيفته. ومع تراجع واقعية سيناريو «تغيير النظام»، انتقلت بعض الدوائر في واشنطن إلى تبنّي خطابٍ بديل يقوم على «تحجيم» إيران وتقليص قدراتها العسكرية، باعتباره هدفاً أكثر تواضعاً وأقرب إلى التحقيق. غير أنّ هذا التحوّل، على الرغم من مظهره البراغماتي، يعكس في جوهره حالة من التراجع الاستراتيجي، ويعيد إنتاج الإخفاقات التي واجهتها الولايات المتحدة في تجاربها السابقة في العراق وأفغانستان، حيث اصطدمت المقاربات الجزئية بواقعٍ ميداني مركّب يتجاوز حدود التخطيط النظري.
لقد سعت المؤسسة العسكرية الأمريكية، منذ المراحل الأولى للعدوان، إلى إعادة ضبط سقف الأهداف، مركّزة على إضعاف منظومات الصواريخ الإيرانية، وتقليص القدرات البحرية، وإعاقة البرنامج النووي، فضلاً عن الحدّ من قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين. إلا أنّ هذه المقاربة تنطوي على افتراضٍ إشكالي يتمثل في إمكانية فرض سيطرة شبه شاملة على البيئة العملياتية، وهو ما أثبتت الوقائع استحالته في سياقٍ يمتاز بعمق جغرافي واسع، وتماسك داخلي، وقدرات ردعية متعددة المستويات.
وفي هذا الإطار، تتباين معايير «النجاح» بين الطرفين بصورة جوهرية. فبالنسبة إلى واشنطن، يرتبط النجاح بضمان تدفّق الطاقة، وحماية البنى التحتية الحيوية في الخليج، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي وفق الرؤية الأمريكية. أما بالنسبة إلى إيران، فإنّ معادلة المواجهة تقوم على منطق مغاير تماماً، حيث يكفي تنفيذ ضربات نوعية ومدروسة، حتى وإن كانت محدودة، لإحداث أثر استراتيجي واسع. فاستهداف ناقلة نفط واحدة في مضيق هرمز، أو ضرب منشأة طاقة في الخليج، أو تنفيذ هجوم مسيّر يخترق منظومات الدفاع، كفيل بإحداث صدمة في الأسواق العالمية، وتغيير إدراك المخاطر، وإعادة رسم معادلات الردع.
وهنا تتجلّى إحدى أبرز خصائص هذه الحرب: فهي لا تتطلب من إيران تحقيق نصرٍ حاسم، بقدر ما تتطلب منها إفشال الهدف الأمريكي. وفي هذا السياق، يتحوّل الصمود إلى إنجاز استراتيجي بحدّ ذاته، يقابله تآكل تدريجي في رهانات الخصم، الذي يجد نفسه عاجزاً عن ترجمة تفوّقه العسكري إلى نتائج سياسية ملموسة.
لقد أثبتت الأسابيع الماضية أنّ إيران قادرة على الحفاظ على وتيرة مستمرة من العمليات الصاروخية والمسيّرة، في مؤشر واضح على امتلاكها القدرة على إدارة حرب استنزاف طويلة. وحتى في حال تراجع بعض قدراتها بعيدة المدى، لا توجد مؤشرات حاسمة على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحييد ترسانتها المتنوعة من الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية غير المتكافئة. وهو ما يعني أنّ القدرة الإيرانية على إحداث تأثيرات ميدانية في محيطها المباشر وفي عمق الخليج ستبقى قائمة، بما يكفي لإرباك الحسابات الاستراتيجية للخصم.
وتعزّز التجارب السابقة هذه الخلاصة. فبعد كل جولة من الضربات التي استهدفت إيران، سارعت واشنطن وتل أبيب إلى الإعلان عن «تراجع كبير» في قدراتها، غير أنّ الوقائع أثبتت أنّ طهران تمتلك قدرة عالية على إعادة بناء قوتها بوتيرة تفوق التقديرات الغربية. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى هذه الحرب: هل يمكن فعلاً تحجيم دولة تمتلك هذا المستوى من المرونة الاستراتيجية والقدرة على التكيّف في ظل صراع مفتوح؟
في المقابل، يبرز خيار التصعيد بوصفه الإغراء الأكثر حضوراً في التفكير الأمريكي، غير أنّه يحمل في طياته مخاطر مضاعفة. فالتاريخ العسكري الأمريكي يكشف عن نمطٍ متكرر: كلّما تعثّر المسار، جرى اللجوء إلى تصعيد إضافي أملاً في تحقيق اختراقٍ مفقود، إلا أنّ النتيجة غالباً ما تكون تعميق المأزق لا تجاوزه.
ومن بين السيناريوهات المطروحة، يبرز خيار توجيه ضربة مباشرة للبنية النووية الإيرانية عبر السيطرة على مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب. غير أنّ هذا السيناريو، على الرغم من جاذبيته الدعائية، يواجه تحديات عملياتية هائلة. فالمواد النووية موزّعة في منشآت محصّنة، ويستلزم الوصول إليها اختراق عمق الأراضي الإيرانية، في بيئة دفاعية كثيفة، ما يفرض انخراطاً برياً مباشراً قد يمتد لساعات أو أيام، في مواجهة قوات قادرة على الحشد السريع والتطويق، وهو ما يحوّل العملية إلى معركة مفتوحة لا يمكن ضمان نتائجها.
أما سيناريو السيطرة على جزيرة خارك، فيكشف بدوره عن حدود القدرة الأمريكية على فرض معادلات جديدة. فهذه الجزيرة، رغم أهميتها الاقتصادية، تقع ضمن نطاق السيطرة النارية الكاملة لإيران، بحكم قربها الجغرافي من الساحل. وهو ما يجعل أي تمركز عسكري معادٍ عليها عرضة لضغط ناري متواصل، يشمل الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية غير المتكافئة.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الحديث عن «السيطرة» أقرب إلى الوهم العملياتي، إذ تتحوّل الجزيرة إلى ساحة استنزاف مفتوحة، حيث تتكامل الضربات متعددة المحاور لتشكّل ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ«تشبّع النيران»، بما يضع حتى الأنظمة الدفاعية المتقدمة أمام تحديات جدّية. كما أنّ التفوّق اللوجستي الإيراني، الناتج عن قرب خطوط الإمداد، يقابله هشاشة في خطوط الإمداد الأمريكية، التي تعتمد على النقل البحري والجوي، وتبقى عرضة للاستهداف المستمر.
وفوق ذلك، فإنّ الرهان على الضغط الاقتصادي عبر استهداف صادرات النفط الإيرانية يفتقر إلى الواقعية، في ظل التجربة الطويلة لطهران في امتصاص العقوبات. بل إنّ هذا المسار قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في توسيع نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما يهدد استقرار الأسواق العالمية ويضاعف كلفة الحرب على جميع الأطراف.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتّضح أنّ خيارات التصعيد لا تمثّل مخرجاً من الأزمة، بل انتقالاً من مأزق إلى آخر. فبدلاً من تحقيق «نصر حاسم»، تجد واشنطن نفسها أمام بيئة صراع تتسم بالاستنزاف والتعقيد، حيث تتحوّل كل خطوة هجومية إلى عامل إضافي في إطالة أمد الحرب وتعقيد معادلاتها.
وهكذا، يتكرّس واقع استراتيجي لا يمكن تجاهله: إنّ محاولة فرض الحسم بالقوة في مواجهة دولة تمتلك عمقاً جغرافياً واسعاً، وقدرات ردعية متراكمة، وإرادة سياسية صلبة، إنما تقود بالضرورة إلى حرب استنزاف مفتوحة، لا يمكن التحكم بمساراتها، ولا ضمان مآلاتها. وفي هذا الإطار، لا تعود المشكلة في غياب الوسائل، بل في حدود القدرة على تحويل القوة إلى نتائج، وهي معادلة أثبتت هذه الحرب، حتى الآن، أنّها لا تعمل لصالح واشنطن.
ثالثاً: مأزقُ التصعيد وحدودُ الانكفاء: حين تتحوّل كلفة الحرب إلى عبءٍ استراتيجي على واشنطن
في ضوء المسار الذي اتخذته المواجهة خلال الأسابيع الماضية، بات واضحاً أنّ الولايات المتحدة تقف أمام معادلة معكوسة، حيث لم يعد التصعيد أداةً لتحقيق المكاسب، بل أصبح مصدراً لتفاقم الكلفة وتعميق المأزق. فكلّما اتّسعت دائرة العمليات، وتعدّدت خيارات الضغط، ازداد التعقيد الاستراتيجي، وتقلّص هامش المناورة، بما يجعل أيّ رهان على «تحقيق إنجاز نوعي» أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الواقع العملياتي.
إنّ السيناريوهات التي تُطرح في الدوائر الأمريكية باعتبارها بدائل «أقلّ كلفة» من التدخّل البرّي، لا تعكس في جوهرها سوى انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر اتساعاً وخطورة. فاستهداف البنية التحتية الحيوية في إيران – ومنها شبكة الكهرباء – قد يبدو، ظاهرياً، خياراً ضغطياً سريع الأثر، إلا أنّ نتائجه تتجاوز الحسابات التكتيكية. فمثل هذا السلوك، فضلاً عن كونه انتهاكاً واضحاً لقوانين الحرب واستهدافاً مباشراً للمدنيين، لن يفضي إلى إخضاع طهران، بل سيدفعها، وفق منطق الردع المتبادل، إلى الردّ بالمثل، عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية في الخليج والكيان الإسرائيلي، وهو ما يعني تعميم كلفة الحرب على الإقليم بأسره.
وفي ظل تراجع جدوى الرهان على تدمير البرنامج النووي الإيراني بصورة حاسمة، أو شلّ قطاع النفط بما يغيّر موازين القوة، تبرز في بعض الأوساط الأمريكية مقاربة أكثر خطورة، تقوم على محاولة زعزعة الاستقرار الداخلي عبر دعم مجموعات معارضة مسلحة، سواء في المناطق الكردية شمال غربي إيران، أو في مناطق البلوش شرقاً، أو عبر استثمار التباينات داخل بنية النظام نفسه.
غير أنّ هذه المقاربة، التي تبدو امتداداً لنماذج سابقة في الإقليم، لا تقود إلى «تغيير نظام» مضبوط الإيقاع، بل تفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك والانهيار المؤسسي.
إنّ التجارب القريبة، من سورية إلى ليبيا، تقدّم نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تؤول إليه مثل هذه السياسات، حيث يتحوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى حرب متعددة الأطراف، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، وتغيب فيها السلطة المركزية، لصالح فوضى مسلحة مفتوحة. وفي حال انزلاق إيران إلى مثل هذا المسار – وهو احتمال لا تدعمه المعطيات الحالية – فإنّ تداعياته لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستستدعي تدخلاً إقليمياً واسعاً، حيث لن تقف تركيا مكتوفة الأيدي أمام أيّ تحوّل في المعادلة الكردية، كما ستتعامل باكستان بحساسية عالية مع أي تصاعد في النشاط البلوشي، فيما ستنخرط دول الخليج، كلٌّ وفق حساباته، في دعم أطراف بعينها.
وعندئذٍ، لن يكون المشهد سوى تدفّق مفتوح للسلاح والتمويل، وتحوّل إيران إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، بما يهدد بنية الأمن في منطقة تمتد من آسيا الوسطى إلى الخليج. غير أنّ هذا السيناريو، على الرغم من حضوره في بعض التصورات النظرية، يفتقر حتى الآن إلى أيّ مؤشرات واقعية، إذ لا توجد شواهد جدّية على تصدعات داخلية قادرة على تفجير صراع من هذا النوع، كما أنّ قوى المعارضة، على اختلاف اتجاهاتها، لا تمتلك القدرة التنظيمية أو الشعبية التي تمكّنها من تهديد بنية الدولة.
وفي هذا السياق، قد يبدو تفكك إيران – من منظور بعض الأطراف، وعلى رأسها الكيان الإسرائيلي – مكسباً استراتيجياً، في إطار سعيه لإعادة تشكيل المنطقة على أسس التفتيت والإضعاف. غير أنّ هذا السيناريو، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يمثّل نصراً، بل كابوساً استراتيجياً بكل المقاييس. فإيران تقع في قلب توازنات إقليمية معقّدة، وأيّ انهيار واسع فيها من شأنه أن يطلق موجات من عدم الاستقرار تمتد إلى العراق وأفغانستان وباكستان، وتعطّل طرق التجارة، وتعيد تشكيل بيئة أمنية يصعب السيطرة عليها.
أمام هذه المعطيات، يبرز خيار الانكفاء التدريجي بوصفه المسار الأكثر واقعية، وإن كان يفتقر إلى البعد الدعائي الذي تبحث عنه الإدارات الأمريكية. فمع مرور الوقت، تتعزّز القناعة بأنّ الاستمرار في التصعيد لن يفضي إلى حسمٍ عسكري، بل إلى تعميق الاستنزاف، وتوسيع رقعة المخاطر. وفي هذا الإطار، قد تلجأ واشنطن إلى إعادة صياغة خطابها السياسي، عبر الادعاء بتحقيق «أهداف محدودة»، والتركيز على إضعاف بعض القدرات العسكرية الإيرانية، تمهيداً لتبرير وقف التصعيد.
كما قد تسعى إلى تقديم نفسها كطرفٍ منفتح على التهدئة، في محاولة لاستيعاب الضغوط الدولية، ولا سيما من القوى الكبرى والدول المرتبطة مباشرة باستقرار أسواق الطاقة. غير أنّ هذا المسار، حتى في أفضل حالاته، لن يُنتج نصراً واضحاً، بل سيكرّس واقعاً جديداً: الولايات المتحدة منخرطة في صراع طويل، في مواجهة إيران أكثر تماسكاً وخبرة، فيما تتضرر علاقاتها الإقليمية، وتُستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية في بيئة دولية تزداد تنافسية.
وفي المحصلة، تتبلور معادلة لا يمكن القفز فوقها: المعركة لم تعد تدور حول «تحقيق نصر»، بل حول كيفية الحدّ من الخسائر. فالبديل – أي المضي في التصعيد – يحمل مخاطر أكبر بكثير، وهو ما تؤكده التجارب التاريخية، حيث أدّى الإصرار على استدراك الفشل عبر توسيع نطاق الحرب إلى تعميق المأزق، لا تجاوزه.
إنّ ما يجري اليوم يعيد إنتاج هذا النمط، لكنه في الوقت ذاته يقدّم فرصة لكسره. فالحرب على إيران لم تكن ضرورة استراتيجية، بل خياراً سياسياً فُرض من دون رؤية واضحة لمآلاته. واليوم، تتكشف تبعات هذا الخيار تباعاً، في مشهدٍ يفرض على صانع القرار الأمريكي الاعتراف بأنّ القوة، مهما بلغت، لا تكفي لفرض النتائج، وأنّ اللحظة الأكثر مسؤولية ليست تلك التي يُدفع فيها نحو مزيد من التصعيد، بل تلك التي يُدرك فيها أنّ كلفة الاستمرار تفوق أيّ مكسبٍ محتمل، فيُتّخذ قرار التراجع قبل أن يتحوّل الصراع المحدود إلى مأزقٍ شامل لا يمكن الخروج منه.




