الأحد - 14 يونيو 2026

‏ما وراء الدعوة الإيرانية: هل هو استجداء للضعف أم إقامة للحجة قبل الانفجار الكبير؟!

منذ 3 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

محمد صادق الحسيني ||

​الدعوة التي أطلقها المتحدث بإسم مقر خاتم الأنبياء لم تكن خطابا عابرا، ولا يمكن اختزالها في محاولة استجداء إيراني، ضمن قراءة سطحية على أنها ضعف إيراني تجاه دول الخليج.

​صحيح أن كثيرا من النخب العربية ستسخر، وصحيح أن المنطق الدبلوماسي التقليدي يقول:
“كيف تطلب إيران تحالفا عربيا إسلاميا من دول أغلبها مرتبط باتفاقيات دفاع مشترك مع أمريكا والناتو؟
وكيف تطلب ذلك من دول انغمست في المظلة الأمنية الأمريكية إلى حد الذوبان؟”

أتدرون أن هذا السؤال هو بالضبط ما يجعل الدعوة أعمق مما يظنون!!

​لأن إيران التي لم تخضع لأمريكا بكل عظمتها، وقدمت تضحياتها طوال عقود، لم تكن لتحتاج اليوم إلى مد يدها لضعفاء تحت سيطرة واشنطن.

لو كانت تبحث عن مخرج لذهبت مباشرة إلى أمريكا وإسرائيل، ورضخت، ووقفت العقوبات، وفعلت ما فعل غيرها. لكنها لم تفعل.

​إذن ما هذه الدعوة؟
هي إقامة الحجة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في العقلية العقائدية الإسلامية الإيرانية.

أن تضع الخيار أمام الجميع قبل أن تنفجر المرحلة الأصعب في تاريخ المنطقة، قبلت بها هذه الدول كان خير، أم لم تقبل فقد أقيمت الحجة عليها.

​وما وراء هذه الدعوة مرعب، فالمنطقة على أبواب حرب وجودية، وإيران ستخوضها بنية الحرب الأخيرة، وسيكون التصعيد الأكبر في دول الخليج تحديدا، هكذا نقولها بوضوح.

​وقد آن الأوان لأن نفهم أن الحديث عن “العدوان الإيراني” على الخليج لم يعد له معنى في هذه المرحلة، لأن إسرائيل وأمريكا تعدان للمرحلة المقبلة بخطط لا تستهدف محور المقاومة فقط، بل تستهدف المحور السني، وحتى المحور الإبستيني العربي الإسلامي نفسه!!

نتنياهو قالها صراحة: بعد إيران، الضربات ستتجه إلى المحور السني. والمخططات معروضة لتقسيم السعودية، وضرب مصر، وزعزعة الأردن، وسوريا والعراق ضمن أجندة واحدة هدفها تسييد إسرائيل للمنطقة، وإقامة إسرائيل الكبرى.

​إذا كان هذا هو المشهد، فلماذا تبقى القواعد الأمريكية في أراضي الخليج والدول العربية؟ القواعد التي أثبتت أنها لم تكن لحماية المستضيف بل لتنفيذ أجندات أمريكا وإسرائيل، والتي ستتحول في أي تصعيد إلى هدف إيراني مباشر، لحماية المنطقة وحماية العرب وحماية الاسلام وحماية الانسانية.

​إيران تقول بوضوح: إما أن تخرجوا هذه القواعد من أراضيكم وتتحولوا إلى تحالف إقليمي عربي إسلامي يحمي مصالحكم، وإما أن تكونوا ساحة حرب سواء اخترتم الدخول أم لم تختاروا.

في كلا الحالتين القصف سيأتي، والرد سيطلب منكم، والدمار سيحل بكم، والأولى بكم أن تختاروا ما يحقق أمنكم البعيد والقريب، بدل أن تتركوا الخيارات لمن لا يريد لكم إلا أن تكونوا وقودا لمشروعه!.

وبلا عباطة ..​ليست دول الخليج وتركيا والدول الإسلامية المدعوة أقوى من أمريكا وإسرائيل حتى تكون إيران في موقف ضعف أمامها، وتستجديها.

لكن إيران تدرك أن هذه الدول واقعة تحت تأثيرات ليست كلها معلنة، وبعضها مربوط بملفات ابتزاز وشبكات نفوذ، وتدرك أيضا أن أي تحرك نحو تحالف عربي إسلامي ستقرأه واشنطن على أنه رسالة حرب ووقوف لهذه الدول إلى جانب طهران.

​وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تجعل الاستجابة للدعوة صعبة.

والسؤال الأصعب:
ماذا ستفعل هذه الدول عندما تجد نفسها وسط نار حقيقية لا تحتمل التردد؟!!!

​وكأن المشهد يعيد ما كان يحدث في قصص الأنبياء: الدعوة تقدم، والبيان يبلغ، والحجة تقام، ويقابل الناس ذلك بالسخرية واللامنطقية والاغترار بالقوة، ثم تأتي الضربات القوية لتحكي صدق ما وعد به الأنبياء.

​ليس المطلوب هنا أن نصدق أو نكذب، بل أن نقرأ المشهد بمسؤولية، واللجان الإلكترونية الخليجية يجب أن تحيد وتعمل ضمن هذا الوعي لتحمي بلدانها، بدلا من ممارسة الغباء والبلادة!!

​ما وراء دعوة مقر خاتم الأنبياء أكبر من خطاب سياسي عابر، هي إعلان عملي بأن المنطقة ستشهد قريبا ما لم تشهده من قبل، وأن الخاسر الأكبر سيكون من استهزأ واستكبر، واغتر بنفسه وركب المقلب.