الخميس - 14 مايو 2026

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴿النساء: 71﴾

لا يقتصر القرآن الكريم في توجيهه للمجتمع المؤمن على القضايا العقدية والشرعية والأخلاقية، بل نراه يوجِّهه في مختلف الأبعاد والصُّعُد التي يحتاج إليها، فيواكبه في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والحرب، وسوى ذلك من الميادين، وهذا تجسيد عملي لحضور الله معه ومعيِّته له، وأنه بعينه تعالى يهديه، ويرشده، ويُسدِّده. وهذا ما أخبر به تعالى في طائفة من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿العنكبوت: 69﴾.

وقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿الطور: 48﴾.

في الآية التي تصدَّرت هذه المقالة تتجلى لنا معية الله للمؤمنين، وحضوره معهم في ميادين صراعهم مع الطغاة والظالمين وأهل الباطل، فهو يطلب منهم ومِنّا إن كنا مؤمنين، ونحن مؤمنون إن شاء الله، يطلب أمرين اثنين:
أولهما: أن نأخذ حِذرنا من أعدائنا، العلنيين منهم وغير العلنيين، الظاهرين والمخفيين، من منافقين، وعملاء، وجواسيس، ومندسِّين في الصفوف، ومُرجفين، ومُثبِّطين، فهؤلاء جميعا يجب أن نحذرهم، وأن نكون دائما على تأهُّبٍ وحيطة ويقظة واستعداد، نراقب كل شيء، ونتحسس من كل أمر، ونحتاط لأي موقف أو إجراء، ونكون العين الساهرة التي لا تنام، لأن “مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ” كما قال الإمام أمير المؤمنين(ع). وكما قال أيضًا وهو يدعونا إلى اليقظة الدائمة: “إِنَّ أَخَا الحَرْبِ الأَرِقْ”.

فالآية الكريمة تأتي في سياق توجيه المجتمع المؤمن في ظرف أمني وعسكري حساس، فتأمر بالأخذ بالحذر، وهو فعل وقائي ضروري لدفع الخطر قبل وقوعه، والحذر أعم من الخوف، إذ يشمل التحوّط، وجمع المعلومات، والتعرُّف على قدرات العدو، وأساليبه، وخططه، وكيفية مواجهته، والتخطيط الدائم، وتوفير الوسائل الضرورية لصَدّ العدوان.
ولذلك قالت الآية: “خُذُوا حِذْرَكُمْ” ولم تقل: “احذروا” لأن الأولى تعني الحذر المسبق أي قبل وقوع الخطر، بينما الثانية تعني الحذر حين وقوعه.

الثاني: النَّفرُ إلى قتال العدو، والدفاع عن ثغور الوطن والدين، وقد ذكرت الآية كيفيتين للنفر: فإما أن يكون على شكل مجموعات متفرقة صغيرة “ثُباتٍ”، أو يكون خروجاً شاملًا عامَّا، والسبب في ذلك أن المعركة قد يُكتَفى فيها بمجموعات أو سرايا ووحدات خاصَّة، وأحيانًا قد يقتضي الموقف إعلان التعبئة العامّة.

خلاصة القول: الآية الكريمة تحمِّلنا جميعًا مسؤولية الحِفاظ على مجتمعنا ووطننا، وذلك لا يتم بجهد فردي، بل بجهد جماعي منظَّم ومَرِن، تحت قيادة قائد ربَّاني حكيم شجاع، ونجمع إلى التوكُّل على الله تعالى.

فجر يوم الخميس الواقع في: 26/3/2026 الساعة (04:30)