إلى القيادات المسيحية: ومقال كيروز “الموارنة جماعة الرسالة”..!
ناجي علي أمهز ||

نتوجهُ بآيات الشكر والتقدير إلى الكنيسة وحراسها الذين يليق بهم “مجد لبنان”، والذين يبذلون جهوداً إنسانية لا تفيها الكلماتُ حقها، بل هي دَينٌ في أعناق الشيعة إلى يوم الدينونة.
إننا ندعو إلى إشهار هذه الأفعال النبيلة التي تقوم بها الكنيسة تجاه النازحين، ليس استعراضاً للداخل، بل رسالةً صارخة للخارج؛ ليعرف العالم أن كنيسة يسوع لا تزال تشفي الأرواح وتحمي الأجساد، ولكي يبقى المسيحي اللبناني في وجدان المجتمع الدولي رمزاً أبدياً للمحبة والسلام.
إنَّ ما نخطُّه اليوم ليس مجرد سردٍ إنشائي، بل هو محاولة لاستنطاق “المادة الخام” للإنسانية، تلك التي تشكل حجر الزاوية في بقاء البشرية واستمرار حضاراتها.
نحن اليوم أمام لحظة انفجارية كبرى، لا تتمثل فقط في موجات النزوح القسري لأهلنا الشيعة نحو المناطق ذات الغالبية المسيحية، بل في اختبارٍ وجودي لعمق الانتماء اللبناني، وقدرة الوعي الإنساني على الانتصار في زمن التوحش.
إن العلاقة بين المسيحي والشيعي في هذا الجبل والساحل لم تكن يوماً عقداً قانونياً جافاً، بل كانت “جغرافيا وجدانية” ضاربة في القدم. فقبل مئة عام، كان المسيحي يستقبل “أبو حسين” الشيعي، لا كنازح أو غريب، بل كجزء من أمن بيته. كانت سهرات الأشرفية التي يرويها الكبار، حيث ينام صاحب البيت ويترك مفتاح منزله وأمان عائلته بين يدي ضيفه الشيعي، هي تجسيدٌ لفلسفة الثقة المطلقة التي تسبق السياسة وتتجاوز الطوائف.
هذه الثقة دائما تجلت في أبهى صورها واليكم قصة يعرفها الجميع كانت تحصل موسميا إبان الاحتلال العثماني؛ حين كان زيت الكورة “المقدس” يُهرَّب من عيون السلطنة ليجد مخبأه الأمين في بيوت الجنوبيين الشيعة. هناك، كان المسيحي يضع مقتنياته وأحماله في عهدة أخيه الشيعي، ليتمكن من بيع محصوله وتأمين عيش عياله. هي حكاية “تكامل الوجود”؛ حيث كان الشيعي حارساً لأرزاق المسيحي، والمسيحي مؤتمناً على روحية التنوع.
وفي قراءة التاريخ السياسي، نجد أن الموارنة هم من رسخوا الحضور الشيعي في صلب الدولة. فحين عُرضت مشاريع دولية لاستبدال رئاسة مجلس النواب بطوائف أخرى، كان الموارنة هم السد المنيع أمام تهميش الشيعة، إيماناً منهم بأن لبنان لا يستقيم إلا بجناحيه، وبأن “المركز” ليس غاية في ذاته، بل الغاية هي “الوطن”.
إنَّ إسرائيل لا تخشى البندقية بقدر ما تخشى “العقل المسيحي” المشرقي؛ ذلك العقل الذي ينافسها في المحافل الدولية، ويقدم نموذجاً إنسانيّاً وحضارياً ينقض عنصرية كيانها. لذا، فإن الاعلام عندما يظهر أي اشكال عادي بين مسيحي ونازح شيعي ويمكن ان يحصل يوميا بين الجيران انفسهم ومن نفس المذهب، فان النتيجة ستكون خدمة مجانية لإسرائيل، لتقول للعالم إن “المسيحيين لا يختلفون عنا في عدائهم للمحيط”، وبذلك تمنحونها الفرصة لتقويض الدور المسيحي التاريخي في المشرق، وتبرير انعزالية اسرائيل.
ان اجمل من كتب عن الموارنة في اخر عقدين هو النائب السابق ايلي كيروز، “الموارنة جماعة الرسالة”. انصح بعض المسيحيين بقراءة هذا المقال الذي يشرح كل شيء باختصار كبير، وان يكون هذا المقال هو خارطة طريق لانه سبيل النجاة الوحيد للجميع.
إن الحفاظ على الوجود المسيحي لا يكون بالخوف من الشريك في الوطن، بل بتكريس “الأخلاقية المسيحية” التي تقوم على “المحبة الإجرائية” لا النظرية فقط. فكيف نؤمن بـ “أحبوا مبغضيكم”، ولا نحتضن الشريك الذي يحبنا ويحتمي في ديارنا؟
إننا نستحضر اليوم روح البطريرك “غريغوريوس الرابع حداد”، بطريرك العرب، الذي لم يجد حرجاً في بيع صليبه المرصع بالألماس ليطعم جياع المسلمين والمسيحيين في مجاعة الحرب العالمية الأولى. هذا هو الإرث الذي يجب أن يهبَّ الرهبان اليوم لإحيائه. إن الكنيسة والرهبانيات المشكورة اليوم على فتح أبواب الأديرة وقلوبها، إنما تفتح “حواضن إنسانية كبرى”، فكل مشهد احتضان لمسيحي يواسي نازحاً شيعياً هو “إنجيلٌ يُقرأ” في المحافل الدولية، وهو أصلب رد على محاولات تصفية الدور المسيحي في المنطقة.
صدقوني، إنني أدرك ما يُحاك في هذا العالم الذي يسعى لتغيير ملامح كل شيء؛ وأقول للقيادات والمطارنة والرهبان: إن التاريخ لا يُكتب بالخطابات، بل بالمواقف المفصلية. وأنتم اليوم تكتبون عقداً جديداً أمام العالم يتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة، وتنتزعون من العالم مكانة المسيحي اللبناني وانه ليس عددا بل نبضا في حياة هذا المشرق البائس ومن دونكم كل شيء يموت؛ فالمسيحيون اليوم يمسكون بِيَدٍ مِبخرةً ترفع صلوات المسيح المحب، وباليد الأخرى صليباً يداوي جراح الماضي ويرمم ما أفسدته الحرب الأهلية، لترسيخ عقد اجتماعي معمد بدموع النازحين وصمود اللبنانيين وأصالة الحاضنين.
إن احتضان النازح الشيعي ليس “مِنّة”، بل هو فرصة، فعل “دفاع وجودي” عن الدور المسيحي؛ لأنه يثبت أنكم نور هذا الشرق وعموده الفقري الإنساني. إن من يحفر خلفكم ليس الشيعي، بل هناك ما هو أخطر وأعظم يسعى لتجريدكم من رسالتكم الكونية.
إننا ندعو إلى معالجة الإشكالات بعيداً عن صخب الإعلام، فالمسيحي بلا شريكه الشيعي قد لا يصمد لعقد من الزمن في هذا الشرق المتلاطم (وانظروا إلى ما حل بالمسيحيين في سوريا والعراق وفلسطين)، كما أن الشيعي بلا شريكه المسيحي -رغم قدرته على الصمود وقساوة العيش- سيجد نفسه في نهاية المطاف جسداً بلا روح، يذوب ويتلاشى في صراعات لا تنتهي.
لبنان لنا جميعاً، وإياكم والخطأ التاريخي؛ فالأحزاب والأسماء والوجوه السياسية تتغير، لكنَّ الثوابت الوطنية باقية.
هبُّوا من أجل الإنسان، ليبقى لبنان.




