الأربعاء - 17 يونيو 2026

حين تتحول الدولة إلى صفقة: تشريح فشل النموذج السياسي في العراق..!

منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

على مدى أكثر من عقدين، لم يعد السؤال في العراق: من يحكم؟ بل كيف يُحكم، ولماذا تُدار الدولة وكأنها شركة مفلسة تُدار بعقلية تقاسم الخسائر لا تعظيم الأرباح.

ما نشهده ليس مجرد خلل في الأداء، بل إنهيار في النموذج (الإداري للدولة)، حيث تم استبدال مفهوم “الدولة” بمفهوم “الصفقة”.

لنقولها بقوة أن الطبقة السياسية لم تبنِ دولة، بل بنت (نظام حصص)، وكل طرف فيه تعامل مع مؤسسات الدولة كـ”محفظة إستثمار سياسي” لا ككيان سيادي.

الوزارات لم تعد وحدات تقديم خدمة عامة، بل تحولت إلى مراكز توليد إيراد حزبي ، تُدار بعقلية العائد السريع، لا بعقلية التنمية المستدامة.

وهنا بدأ الإنحراف الكبير: حين تصبح الدولة وسيلة تمويل، لا غاية وطنية.

و الأخطر من ذلك أن الأجهزة الأمنية والعسكرية، التي يفترض أن تكون العمود الفقري لأي دولة، تم سحبها إلى دائرة التسييس.

لم تعد هذه الأجهزة تعمل وفق عقيدة وطنية موحدة، بل أصبحت في كثير من الأحيان أصولًا متنازعًا عليها، بين القوى السياسية.

وهذا ما أفقدها قدرتها على تحقيق الردع الفعّال، رغم ما يُصرف عليها من موارد هائلة. في أي دولة مستقرة، يُعد الأمن خطًا أحمر خارج حسابات السوق السياسي، لكن في العراق تم كسر هذه القاعدة.

أصبح الأمن جزءًا من سوق الصفقات : دعم مقابل نفوذ، منصب مقابل تمويل، قرار مقابل ولاء. ومع أول إختبار حقيقي، انكشفت هشاشة هذه البنية، وظهر أن ما كان يُسوّق على أنه “حماية” لم يكن سوى وهم استثماري عالي الكلفة.

اقتصاديًا، العراق لا يعاني من فقر الموارد، بل من سوء إدارة رأس المال الوطني .

الأموال التي كان يمكن أن تبني اقتصادًا إقليميًا مؤثرًا، تم تدويرها داخل شبكات مغلقة من الفساد، لتتحول الدولة إلى بيئة ريعية استنزافية ، لا تنتج قيمة حقيقية، بل تعيد توزيع النفوذ.

أما على مستوى القرار، فالمشكلة أعمق من فساد أو سوء إدارة؛ إنها أزمة غياب الرؤية الإستراتيجية، لا يوجد مشروع دولة، ولا تصور لمكانة العراق في الإقليم، ولا حتى خطة لإدارة المخاطر.

كل ما يوجد هو إدارة يومية للأزمات، بأسلوب رد الفعل، لا صناعة الفعل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن إصلاح هذا الواقع دون إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والدولة؟،

الجواب بوضوح: كلا. إعادة بناء العراق تتطلب إعادة هيكلة شاملة ، تبدأ من فصل السياسة عن الأمن، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى كيان مهني مستقل ، يُدار وفق معايير الكفاءة لا الإنتماء.

كما تتطلب فرض حيادية الدولة ، بحيث لا تكون مؤسساتها أدوات انتخابية أو أوراق تفاوض. لكن الإصلاح الحقيقي لا يقف عند المؤسسات، بل يجب أن يصل إلى منظومة الحوافز ، طالما الولاء الحزبي هو طريق الصعود، والكفاءة ليست معيارًا، فإن أي تغيير سيكون شكليًا.

المطلوب هو إعادة ضبط قواعد اللعبة بالكامل، بحيث تصبح القيمة هي معيار الشرعية، لا القدرة على تقاسم النفوذ. العراق اليوم يقف أمام مفترق حاسم: إما الإستمرار في نموذج “الدولة-الصفقة”، حيث كل شيء قابل للبيع، أو الإنتقال إلى نموذج “الدولة-المؤسسة”، حيث السيادة لا تُجزأ، والقرار لا يُشترى. التاريخ العراقي، بثقله وعمقه، لا يعاني من نقص في الإمكانيات، بل من فائض في الفرص المهدورة.

وكل تأخير في إعادة ضبط المسار يعني إرتفاع كلفة الإنهيار، ليس فقط اقتصاديًا، بل اجتماعيًا وسياديًا.

الخلاصة ليست اتهامًا، بل معادلة واضحة: دولة تُدار بعقلية الصفقة… ستفقد نفسها، حتى لو امتلكت كل شيء.

كندي الزهيري…