الأحد - 14 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

د. أمل الأسدي ||

كلُّ شيءٍ خاضعٌ للمنطق وللطبيعة البشرية، إلا قلبُ الأم؛ لهذا، فمنذ يومين وهي في عالمٍ آخر: تارةً تجد نفسها فرِحةً وروحُها محلِّقة، وتارةً يضغط شيءٌ صلبٌ على ضلوعها، يكاد يفجِّر قلبها!

تتحدّث إلى مَن هم بجنبها، وفي أذنها أصواتٌ أخرى: ضجيج، صراخ، نواح، تحذير! تستغفر الله ولا تبوح بما تسمع، وكثيراً ما تضغط على قلبها بيمينها لعلَّه يسكن!

تعود إلى مَن حولها لتحدِّثهم وتنسى ما تسمعه، فتقفز صورةُ ابنها حين كان طفلاً صغيراً، وحين كان تلميذاً… صورتُه وهو عائدٌ من المدرسة!

زعلُه ورضاه، عوزُها وحاجتُها، وحيرتُها وهي تفكِّر: كيف تشتري له ما يريد؟ وكيف تشتري له ملابس العيد؟ ثم يعود الصراخ إلى أذنها، فتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتصمت!

وسرعان ما تحيط بها رائحةٌ غريبة، تقول للجالسين: ما هذه الرائحة؟ فيقولون لها: أيُّ رائحة؟ لا نشمُّ شيئاً! فتصمت، ولا تخبرهم بأنها تشمُّ رائحةً تعرفها؛ رائحةَ الموت التي تنتشر مع رحيل الوجوه! تلك الرائحة التي تلفُّ الفاقد، فيشعر ببردٍ ورجفة، ويستيقن أن عزيزَه قد رحل!

تُخفي الأمُّ كلَّ تلك الأمور، وتنتحب بصمت، وتتمتم مع نفسها: اسم الله يمه… بعيد البلى ولا گالها الله!

ثم… ثم… تثبت الأحداث أن قلبها يختلف عن قلوب البشر، وأن كلَّ ما عاشته قد حان ووقع!

وحين يرفعونَ النَّعشَ المُغطَّى بالعَلَمِ، لا تبقى أَمَامَ عينيهَا إِلَّا صُورةٌ واحدةٌ، ولا يبقى في أُذنهَا إِلَّا صوتٌ واحدٌ:

ترى الرُّؤُوسَ على الأَسنةِ، ويصلهَا صوتٌ حزينٌ من عُمقِ التَّأريخِ، من كربلاء، يقولُ:
” اللهم، إِنْ كَانَ هَذَا يُرْضِيكَ فَخُذْ حَتَّى تَرْضَى.”