يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿آل عمران: 200﴾
بهذه الآية الكريمة ختم الله سورة آل عمران المباركة، التي كان أبرز ألوانها هذا اللون المصبوغ بدم المجاهدين في سبيل الله، في أولى معارك الإسلام، وعلى امتداد الطريق الذي ساروا فيه، من أول يومٍ لهم معه، إلى يوم أُحد.
فالمسلمون كانوا إلى يوم أُحد في مواجهة عواصف عاتية تهب عليهم من كل جهة؛ كانوا في مكة قِلَّةً مستضعفين، أخذتهم قريش بالبأساء والضراء، ففرُّوا بدينهم، وأُخرجوا عنوةً من ديارهم، في غربةٍ موحشة، لا يؤنسهم فيها غير دينهم، ولا يملأ عليهم حياتهم إلا آيات الله يرتلونها، ويسعدون بما تفيض عليهم من رحمةٍ ورضوان.
ووفدوا على إخوةٍ لهم في يثرب، احتضنوهم، وساندوهم، وفتحوا لهم دورهم، وقاسموهم معيشتهم، بل آثروهم على أنفسهم. لكنهم، والأنصارُ اليثربيون، كانوا في المدينة أعدادًا قليلةً، تتربص بهم قريش، وتعد العدة للقضاء عليهم، في حين يمكر بهم اليهود ويؤلِّبون الناس على حربهم.
إلى أن كانت المواجهة بينهم وبين المشركين في معركة بدر الكبرى؛ يومئذٍ كتب الله لهم النصر على أعدائهم، فارتاحت نفوسهم بهذا الإنجاز غير المسبوق، وتنفَّسوا أنفاس الرضا. فلما جاءت معركة أُحد، وما مُنوا فيها من خسائر في الأرواح، ألقت عليهم همومًا ثقالًا، وأطمعت فيهم أعداءهم، فأظهروا لهم ما كانوا يخفون من عداوة، وما كانوا يبيِّتون من عدوان.
وقد أخبرنا الله في سورة آل عمران بما جرى، وشرح لنا الحالة النفسية والمعنوية التي عاشوها إذ ذاك، وأخبرنا كيف كان معهم: يواكبهم، ويخفف عنهم، ويواسيهم، ويبيِّن لهم حقيقة النصر والهزيمة، ويعدهم بالنصر مجددًا إن هم اعتبروا بما حدث معهم، واستفادوا من تجربتهم المريرة، وعالجوا الأخطاء، وأعدُّوا واستعدُّوا، وأن الله حافظ أعمالهم، القليل منها والكثير. وختم هذا بالآية الكريمة التي تصدَّرت هذه المقالة.
والخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين، وحين يكون الخطاب متوجهًا إليهم، فذلك يعني الالتزام بما جاء فيه؛ لأن المصلحة تكمن فيما يأمرهم الله به. وقد حدَّد فيه التكليف الشرعي الذي علينا أن نؤدِّيه في هذه المرحلة الصعبة والحرجة، والتي سيكون ما بعدها مختلفًا تمامًا عمّا قبلها.
هاهنا تكاليف أربعة لا يُكتفى بواحدٍ منها، إذ لا يُغني أحدها عن سواه؛ إنها الصبر، والمصابرة، والمرابطة، وتقوى الله. هذه التكاليف هي زاد المؤمنين في مسيرتهم نحو غاياتهم الدنيوية وغاياتهم الأخروية، وهي عتادهم في مواجهة أعدائهم، وهي التي تضع أقدامهم على طريق النجاح والنصر والفلاح؛ فإن طريقهم مليئة بالمتاعب والمصاعب، مشحونة بالابتلاءات، وعليها الكثير الكثير من العقبات، فيحتاجون إلى طاقةٍ روحيةٍ ضخمةٍ يقدرون بها على مواجهة جميع ذلك وتجاوزه، والصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى هي التي تعينهم على ذلك.
فالصبر هو أن يعضَّ المؤمن على جراحه، وأن يتحمَّل الآلام، وأن يثبت في ميدان المواجهة، وأن يجعل من جسد أخيه الذي يسقط شهيدًا بين يديه جسرًا يعبر عليه إلى النصر، وأن يتجاهل الأصوات النشاز: أصوات المثبطين، والمرجفين، والأفَّاكين، وينتظر الفرصة المؤاتية لينقضَّ على عدوِّه.
والمصابرة، وهي مفاعلة من الصبر، تعني مصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلّوا من صبر المؤمنين؛ فالمؤمنون يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى، ويتحمَّلون المصاعب، فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يُدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار.
والمرابطة هي حراسة الثغور، والأماكن التي يُحتمل أن ينفذ منها العدو إلى الوطن، بل هي حراسة كل ما يجب حراسته، والحضور الدائم في الميادين، وسد الثغرات، وتقوية مواطن الضعف في العقيدة والثقافة والسياسة والاقتصاد وسوى ذلك.
والتكليف الرابع: تقوى الله، بأن يخاف المؤمنون الله وحده، ولا يخافون أحدًا غيره، ويكونوا حيث يريد الله، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه، لتكون هي الحارس لإيمانهم والتزامهم.
فإذا قاموا بهذه التكاليف استحقوا النصر والفلاح.
✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 24/3/2026 الساعة (04:20)




