حين تُقاد الإمبراطوريات العُظمىَ بالوهم..!
د. إسماعيل النجار ||

حين تُقاد الإمبراطوريات العُظمىَ بالوهم يصبح الشرق الأوسط على فوهة بركان،
لم يعد ما يجري اليوم في منطقتنا مجرد صراع نفوذ عابر، بل هو انكشافٌ مدوٍّ لخللٍ عميق في عقل القرار الدولي، حين يُدفَع برئيسٍ دولة عُظمى ك دونالد ترامب إلى متاهةٍ لم تكن يوماً في حساباته أو من أولوياته، فينجرّ خلف حساباتٍ ضيقة يرسمها نتنياهو، ليجد نفسه وقد فتح على بلاده أبواب مواجهةٍ لا تُحمد عقباها مع إيران.
إنها ليست زلّة تقدير بل هو سقوطٌ مدوٍّ في فخّ الاستدراج.
واشنطن التي ادّعت طويلاً أنها تُمسك بخيوط العالم، تبدو اليوم وكأنها تُساق، لا تقود. تُدفع إلى حيث لا تريد، وتقاتل حيث لا يجب، وتخسر حيث ظنّت أنها تربح. فالأولوية الحقيقية كانت، ولا تزال، في مواجهة الصين، لكنّ الانحراف نحو الشرق الأوسط ليس سوى دليل على عجزٍ بنيوي في مقاومة ضغط الحليف المدلّل.
ووهم إسقاط الدول حين يخطئ التاريخ. فمن يظن أن إيران اليوم تُشبه إيران الأمس، هو واهم ولم يقرأ التاريخ، أو تعمّد تجاهله.
سقط نظام شاه ايران السابق كان مدوياً لأنه كان هشّاً، فردياً، معزولاً عن شعبه. أما اليوم، فإيران دولة مؤسسات، منظومة متشابكة، عقيدة متجذّرة، ونفوذ عابر للحدود.
من هنا، فإن الرهان على إسقاطها ليس إلا مقامرة خاسرة وحسب إنما ثمنها هذه المرة لن يكون داخلياً، بل إقليمياً ودولياً.
معركة من يحكم الشرق الأوسط
المواجهة بين إيران وإسرائيل ليست تفصيلاً ٠طإنها المعركة الكبرى على هوية المنطقة.
إسرائيل لا تريد مجرد أمنٍ لحدودها، بل تسعى لفرض نفسها قوةً مطلقة لا ينازعها أحد. وإيران لا تقاتل على حدودها، بل على امتداد جغرافي ترى فيه عمقها الاستراتيجي.هنا، يتكشّف الهدف الحقيقي. وهو تفكيك كل ما يقيّد الهيمنة، من حلفاء، إلى قوى مقاومة، إلى توازنات قائمة.ويبقى الخليج بين الخوف والارتهان فقد اختاروا عن قناعة أو اضطرار أن يكونوا ساحةً صراع لا لاعباً. يملك المال، ويفتقد القرار.
يستضيفون القواعد الاميركية، لكنها لا تملك سيادة الموقف. كان بإمكانها أن تقول كلمة واحدة تغيّر المعادلة:
لا نريد أن نكون وقود حرب الآخرين.
لكنها صمتت… فدفع الجميع الثمن.
ما بعد النار: رياح لا يمكن ضبطها
التاريخ لا يرحم.
كل حربٍ كبرى في هذه المنطقة كانت تمهيداً لزلزال داخلي. وما بعد الربيع العربي ليس كما قبله، وما بعد هذه المواجهة لن يكون كما قبلها فالربيع الع!بي السابق سيحدث ارتداداً عكسياً على مَن اطلقوه ودعموه ورياحه ستقتلع اغلبيتهم..
الاحتقان يتصاعد، الشعوب تغلي، والأنظمة تختنق بين ضغط الداخل وابتزاز الخارج.
وحين تنفجر، لن تسأل أحداً عن الإذن. لذلك نقول إن النهاية لهذا الزمن وبداية زمن آخر هو امر غير مفاجئ لأن دوامة الظلم والبلطجه لا يمكنها أن تستمر طويلاً.
ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة بل لحظة سقوط أقنعة. وسقوط وهم السيطرة الأميركية.وسقوط فكرة الحرب السهلة.وسقوط حياد الأنظمة الضعيفة.وبالمقابل، صعود معادلة جديدة تُكتب بالنار.فمن يملك الإرادة يفرض التوازن. ومن يراهن على غيره يُدفع ثمن الرهان.
الشرق الأوسط الجديد يُعاد تشكيله الآن
لا بالحدود، بل بموازين القوة.
ومن لا يقرأ ما يجري جيداً
سيُكتَب عليه أن يُحكَم، لا أن يحكم.
بيروت في 23/3/2026




