الخميس - 14 مايو 2026
منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

جليل هاشم البكّاء ||

 

في صباحٍ مهيب من صباحات عيد الفطر، ازدانت المساجد في مصر بالتكبيرات، وتعانقت القلوب قبل الأيادي. كان المشهد استثنائيًا؛ إذ حضر صلاة العيد رجالات الدولة جميعًا، من الرئيس إلى أصغر مسؤول، صفًا واحدًا خلف الإمام، في صورةٍ تعكس هيبة الدولة ووحدة ظاهرها.

صعد الشيخ المنبر، وصوته يحمل سكينة الشهر المنقضي، فتحدث عن معاني العيد، وعن الشكر والرحمة، ثم تطرق إلى سيرة علي بن أبي طالب، فاستعرض بطولاته، وعدله، وشجاعته، وفضائله التي بقيت منارًا عبر الزمن. ولم ينسَ أن يدعو في ختام خطبته:
اللهم احفظ مصر شعبًا وجيشًا، وأدم عليها الأمن والإيمان

حتى إذا بلغ ختام الدعاء، نطق بما لم يكن مألوفًا عند كثيرين:
اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها

ساد صمتٌ خاطف، كأن الزمن تعثّر للحظة، ثم انصرف الناس بين متأملٍ ومندهشٍ ومتحفّظ. لم يكن أحد يتوقع أن تلك الكلمات القليلة ستتحول إلى موجةٍ تجتاح الفضاء الرقمي.

مع حلول المساء، كانت منصة TikTok تغلي بالبثوث. ظهر رجل يلقب نفسه أبو عائشة النووي، صوته مرتفع، وملامحه مشدودة، يعبّر عن غضبه، ويطالب الشيخ بالاعتذار العلني. التفّ حوله عدد من المؤيدين، حتى صار اسمه يتردد في كل بثٍ كأنه عنوان الأزمة.

في المقابل، بدأت موجة أخرى أكثر هدوءًا. نقاشات من السنة والشيعة، تستحضر سيرة فاطمة الزهراء، ومكانة النبي محمد، وفضائل الحسن والحسين، وتؤكد أن محبتهم ليست محل خلاف، بل أصلٌ من أصول القلوب.

وفي إحدى الليالي، كان بثٌ بعنوان الراوي، لصاحبه رأفت الدسوقي، يتصدر المشهد. جلس رأفت أمام الكاميرا يراقب النقاشات، حتى دخل شاب لبناني يُدعى رفيق. لم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ أربك الجميع:

من أراد أن يكتشف الحقيقة، فليجرب أن يعمل بعكس ما يقوله أبو عائشة النووي

ساد صمت في البث، ثم بدأت التعليقات تتباطأ، وكأن العقول توقفت لتعيد التفكير. رأفت ابتسم ابتسامة من وجد خيطًا يقود إلى بابٍ جديد.

الأيام التالية كانت عاصفة رقمية. وسوم تتصدر، مقاطع تُعاد، ومواقف تتباين بين مؤيدٍ يرى في الدعاء محبةً خالصة، ومعارضٍ يراه خروجًا عن المألوف. أما الشيخ، فاختار الصمت.

حتى جاء الإعلان المفاجئ.

وزارة الأوقاف ستعقد مؤتمرًا صحفيًا كبيرًا، بحضور الإعلاميين، يُنقل مباشرة عبر وسائل التواصل. الهدف: بيان من الشيخ.

في يوم اللقاء، امتلأت القاعة، وعدسات الكاميرات تلمع. في الخارج، كان الآلاف يتابعون، ومن بينهم أبو عائشة في بثٍ مباشر، ينتظر لحظة الاعتذار.

دخل الشيخ، بهدوءٍ وثبات، وجلس. ثم قال:

أنا اليوم أعتذر … ولكن ليس لمن طلب مني الاعتذار

ارتفعت الحواجب، واشتدّ الترقب.

أعتذر إلى الله، وإلى رسوله، وإلى المؤمنين … لأنني تأخرت في قول الحق، وتأخرت في إعلان محبتي الصريحة لأهل بيت النبي

صمتٌ ثقيل ساد المكان.

أكمل الشيخ:

ما قلته في الخطبة لم يكن خطأً، ولكن تأخري في الجهر به هو ما أستغفر الله منه

في تلك اللحظة، تبدلت الموازين. على شاشة رأفت، توقفت التعليقات، ثم انفجرت بموجةٍ جديدة، مختلفة هذه المرة. دهشة، دموع، وتأمل.

أما أبو عائشة، فبقي صامتًا، ينظر إلى الشاشة، وكأن الكلمات خانته.

رأفت الدسوقي، في بثه الراوى، لم يخفِ فرحته. ابتسم وقال:

هكذا تُثمر الكلمة … وهكذا تنتصر المحبة حين تُقال بصدق

ثم أضاف بنبرةٍ هادئة:

ربما لم ينتهِ الخلاف … لكن شيئًا في القلوب تغيّر اليوم

وفي تلك الليلة، لم يكن الترند مجرد ضجيج، بل كان بداية حكاية جديدة … حكاية قلوبٍ تبحث عن الحقيقة، حتى لو سلكت طريقًا مخالفًا لما اعتادت عليه.