علي ومنه كانت البداية..!
أمين السكافي ـ لبنان ||

منذ اللحظة التي انبثق فيها نور الرسالة، لم يكن التاريخ يُكتب بحبرٍ عابر، بل كان يُخطّ بمداد القدر، وكأن يدًا خفيةً تُهندس مسارات القلوب قبل الأجساد، وتختار لمن تشاء مواقعهم في درب الحق. هناك، في عمق البدايات، كان علي بن أبي طالب ليس مجرد رجلٍ من صحابة محمد بن عبد الله، بل كان فكرةً تسري في الوجود، وروحًا تمتد عبر الزمن، ومقياسًا يُعرف به الحق حين تلتبس الوجوه وتتداخل الرايات.
لم يكن اختيار علي وليد لحظة، بل كان اصطفاءً يتجاوز حدود الإدراك البشري، كأن الله أراد أن يجعل في هذه الشخصية مرآةً يرى فيها المؤمنون معنى العدل والشجاعة واليقين. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تنشأ جماعة من المسلمين، لم تتخذ عليًا إمامًا فحسب، بل اتخذته نهجًا حيًا، يسير في دمائهم كما تسري الروح في الجسد، يستلهمون منه القول والفعل، ويقيسون به المواقف حين تضطرب المعايير.
لقد تمسّك هؤلاء بميثاقٍ روحي، يتردد صداه عبر العصور، حديثٍ يُروى عن رسول الله، يربط بين علي والحق رباطًا لا ينفصم، كأنهما نهران يلتقيان فلا يُعرف أحدهما من الآخر. فكان علي عندهم ليس مجرد تاريخ، بل بوصلةً أخلاقية، وموقفًا دائمًا، وصوتًا داخليًا يرفض الانحراف ولو اجتمعت عليه الدنيا.
وهكذا، وُلد ذلك العشق الذي لا يخبو، عشقٌ لا يشبه العواطف العابرة، بل هو انتماءٌ عميق، يشبه الجذور التي تضرب في الأرض كلما اشتدت الرياح. أولئك الذين أحبوا عليًا لم يحملوا اسمه فقط، بل حملوا تبعات هذا الحب، وكان الثمن باهظًا؛ اضطهادٌ، قتلٌ، تشريد، وتعذيب، فقط لأنهم قالوا إنهم على نهجه، فقط لأنهم أبوا أن يساوموا على قناعاتٍ رُسمت بدموع التاريخ.
لكن العجيب أن هذا الألم لم يُطفئ الشعلة، بل زادها اشتعالًا. فكل قطرة دمٍ سقطت، كانت كأنها بذرةٌ جديدة تُنبت جيلًا آخر أكثر تمسكًا، أكثر وعيًا، وأكثر استعدادًا لحمل الراية. وكأن القدر أراد أن يُبقي هذا الخط حيًا، لا بالرخاء، بل بالابتلاء، لأن ما يُصقل بالنار لا ينكسر.
ومن جيلٍ إلى جيل، تناقلوا ذلك الإرث، لا كحكاية تُروى، بل كنبضٍ يُعاش. صار علي عندهم مدرسةً مفتوحة، ينهلون منها كيف يكون الإنسان ثابتًا حين يتزلزل العالم، وكيف يكون شجاعًا حين يسود الخوف، وكيف يكون عادلًا حتى لو كان العدل على حساب النفس.
وفي هذا الامتداد الزمني، يتكشف سرٌّ أعمق؛ كأن وجود علي لم يكن حدثًا مكتفيًا بذاته، بل كان بداية سلسلةٍ ممتدة من المعاني الحيّة. ولو تأملنا هذا الخيط الطويل، لأدركنا أنه لولا أن الله أوجد في هذه البداية علي بن أبي طالب بما حمله من يقينٍ لا يتزعزع، وبصيرةٍ ترى بنور الحق، لما كان في هذا الزمان من يقف بثبات الكون، ويقين السماء، في وجه العواصف التي تقتلع الأمم.
كأن عليًا لم يكن شخصًا عاش ثم مضى، بل كان بذرةً أُودعت في تربة الزمن، لتنبت رجالًا كلما اشتد الظلام ازدادوا وضوحًا، وكلما تعاظم الباطل ازدادوا حضورًا. رجالٌ يحملون من روحه ما يجعلهم يقفون حيث يتراجع غيرهم، ويتقدمون حيث يتردد الآخرون، ويهاجمون حيث يكتفي كثيرون بالدفاع.
ولولا هذا الامتداد العلوي، لما كان هناك اليوم من يجرؤ على مقارعة كيانٍ غاصب، ولا من يثبت أمام ما يُشبه الشيطان الأكبر في جبروته وغطرسته. فالثبات الذي نراه ليس وليد لحظة، بل هو تراكم يقين، وسلسلة إيمان، بدأت هناك… عند علي، حين كان الحق يمشي على قدمين.
إنها ليست معركة سلاحٍ فقط، بل معركة معنى؛ معنى أن يكون الإنسان ثابتًا حين يُراد له الانكسار، ومهاجمًا حين يُفرض عليه الخضوع، ومدافعًا حين يُراد له الصمت. وهذا المعنى، في جوهره، ليس إلا صدى ذلك الصوت الأول الذي تجلّى في سيرة علي، واستمر في كل من حمل روحه عبر الأزمان.
وفي هذا الامتداد، لم يكن حضور علي غائبًا، بل كان يتجلى في أولئك الذين ساروا على خطاه، رجالٌ تشبّعوا بفكره، فصاروا كأنهم صورٌ متجددة لذلك المعنى الأول؛ يقاتلون حيث يجب القتال، ويصبرون حيث يكون الصبر، ويحملون في قلوبهم يقينًا بأنهم امتدادٌ لذلك النور الذي أُشعل منذ قرون.
ولولا ذلك الامتداد، لربما انطفأت الكثير من المعاني في عالمٍ تزداد فيه الظلمات. لكن بقاء هذا الخط، بقاء هذا العشق، هو ما يجعل للكرامة معنى، وللعزة طعمًا، وللمقاومة روحًا لا تُهزم.
إنها حكاية ليست عن الماضي فقط، بل عن الحاضر الذي صيغ على مهل، وعن مستقبلٍ يُكتب الآن بنفس الحبر القديم. وكأن الله، في حكمته، لم يترك الأمور للصدفة، بل نسج خيوطها منذ مئات السنين، ليصل الإنسان إلى لحظةٍ يظنها عادية، بينما هي في الحقيقة نتيجةُ مسارٍ طويلٍ من الاصطفاء والابتلاء والثبات.
هنا، عند هذه اللحظة، نفهم أن عليًا لم يكن بدايةً فحسب، بل كان طريقًا ممتدًا، وأن الذين ساروا فيه لم يكونوا مجرد أتباع، بل كانوا شهودًا على أن الحق، مهما طال عليه الزمن، لا يموت… بل يعبر العصور، متجددًا، حيًا، لا ينطفئ




