حين ينقلب الردع: من الضربة الصادمة إلى مُعادلة النار المفتوحة..!
طه حسن الأركوازي ||

في مشهد إقليمي بالغ التعقيد ، تتكثف ملامح مواجهة لم تعد محصورة في إطار “الرد والرد المضاد”، بل تتجه نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بأكمله ، فالتصعيد الأخير الذي بدأ بضربات نوعية أستهدفت بُنى تحتية حساسة داخل إيران ، وأغتيالات طالت قيادات عليا في مُقدمتهم المُرشد الأعلى السيد ” علي الخامنئي ” ، شكّل نقطة تحوّل مفصلية دفعت طهران إلى الانتقال من موقع أمتصاص الصدمة إلى تبني أستراتيجية ردع هجومي واسع النطاق ، هذه المواجهة التي تُقدم في الخطاب الإيراني بأعتبارها “حرباً مفروضة”، تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية لتُلامس توازنات القوة ، وهيبة الردع ، ومستقبل الاستقرار الإقليمي .
تشير قراءات صادرة عن مراكز دراسات أستراتيجية غربية إلى أن الضربة الأولى التي أستهدفت العُمق الإيراني لم تكن مُجرد عملية تكتيكية ، بل محاولة لإعادة ضبط السلوك الإيراني عبر إحداث صدمة قيادية وأمنية ، إلا أن ما جرى لاحقاً كشف عن خلل في تقدير رد الفعل الإيراني ، حيث لم تكتفِ طهران بإعادة ترتيب صفوفها داخلياً ، بل عمدت إلى تفعيل شبكة رد مُتعددة المسارات ، شملت أستهدافات نوعية بشكلين “مُباشرة وغير مُباشرة” لمصادر التهديد .
في هذا السياق ، تداولت وسائل إعلام دولية تقارير عن حالة أستنفار غير مسبوقة داخل إسرائيل ، وسط كثافة نارية وُصفت بأنها الأعلى منذ عقود ، ما دفع إلى تعطيل واسع في الحياة العامة ، وإجبار السكان على البقاء لفترات طويلة داخل الملاجئ ، إن المؤشرات العامة بما فيها تراجع الحركة الجوية ، وتعليق أنشطة حيوية ، وأرتفاع مُستوى الجاهزية العسكرية تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له الجبهة الداخلية الإسرائيلية .
في المقابل ، أمتد نطاق الاستهداف ليشمل مواقع وقواعد يُعتقد أنها مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ، في رسالة واضحة مفادها أن مسرح العمليات لم يعد محصوراً جغرافياً ، وأن أي نقطة أنطلاق للضربات قد تتحول إلى هدف مشروع ضمن معادلة “توسيع نطاق الرد” ، هذا التحول يتسق مع عقيدة إيرانية لطالما أعلنت أن أمنها لا ينفصل عن محيطها الإقليمي ، وأن الرد لن يكون تقليدياً أو محدوداً .
أن ما يُتداول بشأن دعوات طارئة لمُغادرة دبلوماسيين أو موظفين أجانب من مناطق التوتر ، فيندرج ضمن إجراءات أحترازية مُعتادة في حالات التصعيد العالي ، لكنه في الوقت ذاته يعكس تقديراً لمستوى المخاطر ، وأحتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع ، وغالباً ما ترافق مثل هذه التحركات إشارات أستخباراتية حول إمكانية توسع رقعة الاستهداف أو فقدان السيطرة على وتيرة التصعيد .
المُعطى الأهم في هذه المرحلة يتمثل في أن إيران بعد أستيعاب الضربة الأولى لم تكتفِ بإعادة التوازن ، بل سعت إلى فرض مُعادلة ردع جديدة قائمة على “تكلفة التصعيد” ، أي أن أي هجوم واسع عليها سيُقابله رد يتجاوز الحدود التقليدية ، سواء من حيث الجُغرافيا أو نوع الأهداف ، هذه المعادلة إن أستقرت قد تُعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة ، لكنها في الوقت ذاته ترفع منسوب المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة.
من ناحية أخرى ، تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل مُعضلة أستراتيجية مُعقدة ، فالتراجع قد يُفسر كضُعف في الردع ، بينما الاستمرار في التصعيد قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية مفتوحة يصعُب أحتواؤها ، لذلك تميل بعض التقديرات إلى أن المرحلة الحالية ستشهد مزيجاً من التصعيد المحسوب ، والرسائل غير المباشرة في مُحاولة لضبط الإيقاع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة .
فيما يتعلق بالعراق ، فإن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يجعلاه في قلب هذه المُعادلة ، فالعراق ليس مُجرد جار لإيران ، بل ساحة تداخل مصالح ونفوذ ، ما يعني أن أي توسع في دائرة الصراع سيترك أنعكاسات مبُاشرة على أمنه وأستقراره .
الاحتمالات تشمل زيادة الضغُوط على القواعد الأجنبية ، تصاعد التوترات الداخلية ، أو حتى تحوله إلى ساحة رسائل مُتبادلة بين الأطراف المتصارعة ، وفي المقابل قد يجد العراق نفسه أمام فُرصة نادرة لإعادة تموضع دبلوماسي إذا ما أحسن إدارة التوازنات وتجنب الانجرار إلى محور دون آخر .
ختاماً .. تقف المنطقة اليوم عند مفترق طرق حاسم :
إما أن تنجح الأطراف في أحتواء التصعيد ضمن سقف “الردع المتبادل” .؟
أو تنزلق نحو مُواجهة مفتوحة تُعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية برمُتها .؟
السيناريوهات المطروحة تتراوح بين تهدئة تدريجية عبر قنوات خلفية ، أو أستمرار الضربات المحدودة ، أو أنفجار واسع يصعب التكهن بمآلاته ، لكن الثابت في كُل ذلك أن مُعادلة ما بعد هذه المُواجهة لن تشبه ما قبلها ، وأن كُلفة الخطأ في الحسابات أصبحت أعلى بكثير من أي وقتٍ مضى …!




