الخميس - 14 مايو 2026
منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: “الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ” ﴿آل عمران:172﴾

تخلِّد هذه الآية الكريمة موقفًا عظيمًا وقفه المسلمون بعد معركة أُحُد، وتقدمه نموذجًا رائعًا لنا ولكل المؤمنين الثابتين الموقنين، الحاضرين في ميادين الصراع مع الباطل والظلم، الجاهزين لأداء تكاليفهم الإلهية مهما تكن الصعوبات.

إنهم أولئك الذين دعاهم رسول الله (ص) إلى الخروج معه لملاقاة المشركين بعد معركة أُحُد، وهم مُثخَنون بالجراح، ناجون من الموت في المعركة، وهم لم ينسوا بعد هول ما ألَمَّ بهم، ومرارة الهزيمة، وقد فقدوا من أعزائهم مَنْ فقدوا، فقلَّ عددهم، فوق ما هم مُنهَكون مُثقلون بما حدث لهم، ولكن رسول الله (ص) دعاهم وحدهم ولم يأذن لأحد تخلَّف عن المعركة أن يخرج معهم، فاستجابوا لدعوته إياهم، ومَضَوا معه على الرغم من القَرح الذي أصابهم.

فبعد الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في معركة أحد، أسرع أبو سفيان عائدًا إلى مكة المكرمة، فلما بلغ منطقة تُسمى “الرَّوحاء” قَرَّر أن يرجع إلى المدينة المنورة ليُجْهِزَ على المسلمين الذين أنهكتهم المعركة، فلمّا بلغ هذا الخبر رسول الله (ص) أمر المقاتلين العائدين من أحد أن يتجهَّزوا للخروج إلى ملاقاة العدو، وطلب أن يقتصر الأمر على الذين جُرِحوا في أحد.

يقول رجل من أصحاب النبي (ص) كان قد شهد أُحُدًا: شهدت أُحُدًا وأخٌ لي‏، فرجعنا جريحين، فلمّا أَذَّن مُؤَذِّن رسول الله (ص) بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله (ص)، فو الله ما لنا دابَّةٌ نركبها، وما مِنّا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله (ص) وكنت أيسر جرحًا من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا مع رسول الله (ص) إلى “حمراء الأسد”. فلمّا بلغ هذا الخبر أبا سفيان وأدرك صمود المسلمين وعزمهم على القتال، والذي تجلَّى في اشتراك الجرحى والمصابين خاف وأرعب، ولعله ظن أنه أدركتْ المسلمينَ قوة جديدة من المقاتلين وأتاهم المدد.

فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وقفَلَ راجعًا إلى مكة بسرعة، وحتى يتوقف المسلمون عن طلبه وملاحقته، ويجد فرصة كافية للانسحاب، قال‏ لجماعة من بني عبد قيس، كانوا يمرّون من هناك قاصدين المدينة لشراء القمح: “أخبروا محمدًا إنّا قد أجمعنا الكَرَّة عليه وعلى أصحابه لنستأصل بقِيَّتهم” ثم انصرف إلى مكة. ولَمّا مرّت هذه الجماعة برسول الله (ص) وهو بحمراء الأسد أخبروه بقول أبي سفيان، فقال رسول الله (ص): “حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْل” وبقي هناك ينتظر المشركين ثلاثة أيام، فلم يرَ لهم أثرًا، فانصرف إلى المدينة بعد الثالثة.

لقد خلَّد القرآن الكريم هذا الموقف، وهذا الإقبال على أداء التكليف، على الرغم ممّا ألَّم بهم من جراح وعناء، وما فقدوه من شهداء أعزاء، ليؤكِّد أن الطاعة لله ولرسوله وللقائد الربّاني، في الشِدَّة والضَّعف، أصدق من الطاعة في الرَّخاء وحال القوة.

إن المجتمع الإيماني يُعَرِّضه الله لابتلاءات شتى، ويمتحنه في السرَّاء والضَّرَّاء، وفي الشِّدة والرَّخاء، يبتليه بعد النصر، ويبتليه بعد الهزيمة، لُيُظهِر حقيقة إيمان أفراده، وليميّز بين الإيمان العاطفي العابر، والإيمان الواعي. ويدل على ذلك قوله تعالى: “الَّذِينَ اسْتَجَابُوا” فلم يقل الذين أطاعوا، لأن الطاعة قد تكون عن غير قناعة، بينما الاستجابة تعني أنها طاعة واعية نابعة من قناعة راسخة.

إنَّ هذا الموقف يؤكد لنا أمرًا في منتهى الأهمية، وهو أن المجتمع لا ينبغي أن ينهار بعد الفشل، وأنّ العودة السريعة إلى العمل تمنعه من الانهيار، لأن في ذلك تحويلاً للهزيمة إلى فرصة جديدة، إلى طاقة خلّاقة تعوِّض الفشل الذي حدث. وهذا ما تشهد له التجربة المعاصرة التي يخوضها الأبرار في هذه الأيام.

فجر يوم السبت الواقع في: 21/3/2026 الساعة (04:17)