الجمعة - 15 مايو 2026

تبدّل الأهداف تحت الضغط: من إسقاط النظام إلى أحتواء المُمكن .؟

منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في مسارات الحروب لا تُقاس الاستراتيجيات بما يُعلن في بداياتها ، بل بما تنتهي إليه تحت ضغط الميدان ، هذا ما تعكسه بوضوح التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي “ترامب” ، الذي أنتقل من خطابٍ عالي السقف في الأسابيع الأولى للتصعيد مع إيران ، إلى حديث أكثر تحفظاً يُركز على تحييد القدرات النووية دون السعي لإسقاط النظام ، هذا التحول لا يمكن قراءته كخيار مبدئي ثابت ، بل كأستجابة مُباشرة لتعقيدات الواقع العسكري والسياسي الذي فرض نفسه على مجريات المواجهة .

في البدايات ، حملت طبيعة العمليات العسكرية ونوعية الأهداف ، إلى جانب مُستوى التصعيد السياسي ، مُؤشرات واضحة على أن المُقاربة لم تكن تقتصر على “الاحتواء”، بل لامست حدود السعي لإضعاف بنية النظام الإيراني ، وربما الدفع نحو تغييره ، غير أن هذه الفرضية سرعان ما أصطدمت بحقائق أكثر صلابة على الأرض أعادت رسم حدود المُمكن وأجبرت صانع القرار الأميركي على إعادة ضبط أولوياته .

العامل الأول : تمثل في غياب الغطاء الدولي الواسع ، فالرفض الواضح من قبل أغلب حُلفاء حلف شمال الأطلسي في الانخراط المُباشر في الحرب كشف حدود القدرة الأميركية على تشكيل تحالف عسكري شبيه بما حدث في تجارب سابقة ، هذا التباين في المواقف لم يكن تفصيلاً ثانوياً ، بل عُنصر ضغط أستراتيجي فرض على واشنطن مُراجعة حساباتها ، خصوصاً مع إدراكها أن أي تصعيد واسع دون دعم دولي كافٍ سيضاعف الكلفة ويُعقّد مسار العمليات .

العامل الثاني : فكان ميدانياً بأمتياز ، إذ أظهرت المواجهة أن إيران تمتلك قُدرات مُتقدمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة ، قادرة على إحداث تأثير مُباشر في عمق الخصم وإرباك حساباته الدفاعية ، هذا الواقع لم يكن مُجرد تفصيل عسكري ، بل غيّر طبيعة التوازن ، ورفع كُلفة الاستمرار في التصعيد إلى مُستويات لم تكن ضمن التقديرات الأولية ، وبالتالي لم يعُد خيار توسيع الحرب أو دفعها نحو إسقاط النظام خياراً منخفض الكلفة أو مضمون النتائج .

ضمن هذا السياق ، تبدو تصريحات “ترامب” حول أن الهدف هو منع إيران من أمتلاك سلاح نووي لا تعبيراً عن نية أصلية ، بل إعادة تموضع فرضتها الخيبات الميدانية والسياسية ، كما أن الجدل حول مزاعم قرب إيران من أمتلاك سلاح نووي ، في ظل تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تميز بين التخصيب والقدرة التسليحية ، يعكس توظيفاً سياسياً لهذا الملف لتبرير التصعيد ، أكثر من كونه توصيفاً دقيقاً للواقع التقني .

في المقابل ، لا يمكن فصل الخطاب الإسرائيلي ، الذي يُروج لتحقيق إنجازات حاسمة عن سياق الحرب النفسية وتعزيز الردع ، خاصة في ظل غياب أدلة قاطعة على تحييد كامل للقُدرات الإيرانية ، فالتجربة تؤكد أن مثل هذه البرامج لا تُحسم بضربات محدودة ، بل تدخل في مراحل إعادة تنظيم أكثر تعقيداً .

إنعكاسات هذا التحول تتجاوز حدود إيران لتصل إلى العراق ، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب مُعادلة صراع مفتوحة ، فالتصعيد في الخليج ، والتهديدات المُرتبطة بمضيق هرمز ، والتقلبات في أسواق الطاقة ، تضع بغداد أمام تحديات مُركبة ، في ظل هشاشة داخلية وغياب رؤية أستراتيجية للطبقة السياسية والحكومات تكون قادرة على أمتصاص الصدمات .

في المحصلة .. تعكس التحولات في الخطاب الأميركي إعادة ضبطٍ للأولويات أكثر مما تعكس تغييراً جذرياً في جوهر الأهداف ، فقد أظهرت تطورات الميدان إلى جانب تعقيدات البيئة الدولية وتباين مواقف الحلفاء ، أن كلفة التصعيد الشامل تتجاوز حدود الحسابات التقليدية ، ما دفع نحو تبني مُقاربة أكثر حذراً تركز على تحجيم القدرات بدلاً من خوض مُغامرة مفتوحة النتائج ، غير أن هذا التكيّف لا يعني أنحسار الصراع ، بل أنتقاله إلى مرحلة أكثر تركيباً ، تُدار فيها المواجهة بأدوات متعددة المُستويات ، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي ، ضمن إطار يسعى إلى إعادة تشكيل توازن القوى دون الانزلاق إلى مُواجهة شاملة يصعب أحتواء تداعياتها على الإقليم بأكمله وفي مقدمته العراق …!