الخميس - 14 مايو 2026

خرج: حين تقترب الحرب من شريان النفط الإيراني..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، تتكثف المؤشرات على تصعيد نوعي في طبيعة المواجهة غير المُباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى.

الحديث المُتداول حول جزيرة خرج ، بوصفها العُقدة الأهم في منظومة تصدير النفط الإيراني لم يعد مُجرد سيناريو نظري في مراكز الدراسات ، بل بات جُزءاً من خطاب سياسي وإعلامي يتقاطع مع رسائل ردع مُتبادلة تعكس حجم التوتر وحدود الانزلاق المُحتمل نحو مواجهة أوسع .

جزيرة خرج ليست هدفاً عسكرياً تقليدياً ، بل تُمثل مركز الثقل الاقتصادي لإيران ، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من صادراتها النفطية . لذلك ، فإن أي تفكير بعملية عسكرية ضدها سواء عبر عملية إنزال أو ضربات دقيقة فأنه سيُقرأ في طهران بأعتباره أستهدافاً مُباشراً للأمن القومي لا مُجرد تكتيك ميداني ، هذا ما يُفسر حدة الخطاب الصادر عن المُرشد السيد “مُجتبى الخامنئي” ودوائر القرار الإيراني ، والذي يتسم بثقة عالية في القُدرة على الرد ، مقروناً برسائل ردع نفسية تهُدف إلى رفع كُلفة أي مُغامرة عسكرية مُحتملة .

في المقابل ، لا يمكن التعامل مع فرضية إنزال بري أمريكي واسع النطاق ، كإرسال آلاف من قوات المارينز بوصفها خياراً واقعياً في الظروف الحالية دون حسابات مُعقدة ، فالعقيدة العسكرية الأمريكية كما تُظهرها تجارب العقدين الأخيرين ، تميل إلى تقليل الأنخراط البري المُباشر في البيئات عالية المخاطر ، خصوصاً تلك التي تمتلك فيها الخصوم قُدرات غير مُتماثلة ، مثل الصواريخ الساحلية ، والطائرات المُسيرة الذكية ، والزوارق السريعة ، والحرب غير النظامية .

تقارير صادرة عن مراكز مثل ( Rand Corporation وCenter for Strategic and International Studies ) تشير بوضوح إلى أن أي عملية من هذا النوع في الخليج ستُواجه بتحديات لوجستية وعملياتية كبيرة ، فضلاً عن مخاطر التصعيد الإقليمي غير القابل للاحتواء .

الرسالة الإيرانية ، وإن بدت في ظاهرها خطاباً حاداً ، إلا أنها تنتمي إلى إطار أوسع من “الردع عبر التهديد المعلن” ، فطهران تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان ، بل في كسر إرادة الخصم قبل إندلاع المُواجهة المُباشرة ، لذلك يجري تضخيم كُلفة أي هجوم مُحتمل عبر تصويره كفخ أستراتيجي ، وليس مُجرد عملية عسكرية ، في هذا السياق يصبح الخطاب التصعيدي أداة سياسية بقدر ما هو انعكاس لثقة عسكرية .

على الضفة الأخرى ، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إبقاء الضغط عند مستوى “الحافة دون السقوط”، أي مُمارسة أقصى درجات الضغط العسكري والاستخباري دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، هذا التوازن الدقيق هو ما يُفسر التناقض الظاهري بين التصعيد في التصريحات ، والتحفظ في القرارات الميدانية الكبرى ، فأستهداف مُنشآت أو تنفيذ عمليات نوعية يختلف جذرياً عن السيطرة على أرض ، خاصة في منطقة مُشبعة بالتهديدات غير التقليدية .

إن أنعكاسات هذا المشهد لا تتوقف عند حدود الخليج ، بل تمتد مُباشرة إلى العراق الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب التوازنات الهشة ، فأي تصعيد في جزيرة خرج أو مضيق هرمز سيؤدي حتماً إلى أضطراب في أسواق الطاقة ، وأرتفاع كُلف النقل والتأمين ، ما ينعكس على الاقتصاد العراقي المُرتبط عضوياً بأسواق النفط .؟

لكن الأهم من ذلك أن العراق قد يتحول إلى ساحة ضغط غير مُباشر سواء عبر التصعيد الأمني أو عبر أستثمار موقعه الجغرافي كمنطقة تماس بين النفوذين الأمريكي والإيراني .

فالواقع الراهن يُشير إلى أن جميع الأطراف تُدرك خطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة لكنها في الوقت ذاته تواصل أختبار حدود بعضهم هذا النمط من “حافة الهاوية المدروسة” يجعل المنطقة تعيش حالة توتر دائم ، حيث يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال مواجهة لا يمكن السيطرة عليها .

في المحصلة .. تبقى جزيرة خرج أكثر من مُجرد موقع جغرافي ، إنها رمز لصراع الإرادات في المنطقة ، وما بين خطاب الردع الإيراني ، والحسابات الأمريكية يقف الإقليم وفي قلبه العراق أمام أختبار جديد وهو :

إما إدارة التوتر بعقلانية سياسية .
أو الانزلاق إلى مُواجهة مفتوحة ستدفع كُلفتها جميع الأطراف دون أستثناء …!