الخميس - 14 مايو 2026

من حقائق الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” ﴿آل عمران: 160﴾

تقرِّر هذه الآية الكريمة حقيقة عظيمة من حقائق الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وهي أن النصر من عند الله، والخِذلان أيضًا من عنده، وأن من يشأ الله أن يعينه ويسدّده وينصره، فلن يغلِبه أحد مهما عظمت قوته، ومن يشأ أن يمنع عنه عونه ويُخلِّي بينه وبين عدوه، ويخذله فلن ينصره أحد، مهما عظمت قوته.

ولا شَكّ في أن النصر والخذلان الإلهيين لا يأتيان عبثًا أبدًا، حاشا لله أن يفعل ذلك، فهو العليم الخبير الحكيم، الذي لا تكون منه أفعالٌ دون حكمة، كما لا يأتيان بغير سبب، ذلك أن الله تعالى يجري الأمور بأسبابها، فلكُلٍّ من النصر والخِذلان أسبابه الخاصّة، فإذا تكاملت أسباب أحدهما تحقَّقت النتيجة.

ومِمَّا لا شك فيه أن الأسباب ليست مادية وحسب، بل هي مادية ومعنوية، وهذا ما تؤكِّده التجربة الإنسانية الطويلة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، لأن الفئة القليلة كانت على قلب رجل واحد، وتتمتع بمعنويات عالية، وبتصميم على الانتصار، وثبات أمام العدوان، واستعداد عالٍ للتضحية، وكم من فئة كثيرة أعجبتها قوتها وكثرتها فلم تغنِ القوة ولا الكثرة عنها شيئًا وضاقت عليها الأرض بما رَحُبت ثم ولَّت مُدبرة.

ناهيك عن أن النصر والهزيمة من وجهة نظر القرآن لا يتحدّدان بالغَلَبة العابرة، ولا بالفوز بجولة من جولات الحرب، بل بالنتيجة النهائية للصِّراع، فقد ينتصر الباطل في جولة، وقد ينهزم الحق في جولة، وقد يدفع أهل الحق أثمانًا عالية، ويقدِّمون تضحيات كبيرة، وقد تُقتَل منهم القيادات، ولكن مشروعهم هو الذي ينتصر في النهاية، بينما يخسر القَتَلة المعتدون، وأبلغُ ما يشهد لهذه الحقيقة شهادة الإمام الحسين (ع) وبقية الأئمة الأطهار (ع).

ومن ذلك شهادة القادة الأبرار المعاصرين لنا، لقد كانت شهادتهم، وما زالت، توَلِّد طاقة معنوية هائلة تدفع المؤمنين بنهجهم إلى تحقيق طفرات إلى الأمام، وتجعلهم أكثر تمسُّكًا بنهجهم وإصرارًا على مواصلة الطريق لتحقيق أهدافهم.

ولا يجوز أن نغفل عن حقيقة كبرى، وهي أن مشيئة الله سبحانه هي الانتصار لأوليائه وإعانتهم وتسديدهم وإنزال النصر عليهم، فليس من المعقول أبدًا أن يمنع النصر عنهم، وأن يُنزِله على أعدائه وأعدائهم، ذلك لا يكون في لطفه تعالى وحكمته ورأفته،

نعم في بعض الأحايين قد يؤخِّر النصر عنهم لحكمة لا يعلمونها، أو لأسباب لها صلة بعدم توافر أسباب النصر جميعها، وقد يبتليهم بإخفاق ليكتشفوا نقاط ضعفهم فيبادروا إلى علاجها، وهذا ما حصل معنا في المعركة الأخيرة بالضبط.

مِمّا تقدَّم نعلم أن الأمر بيد الله أصلًا، ويُجري أسبابه على أيدي أوليائه، وتلك هي سُنَّته تعالى في جريانها بترتيب النتائج على الأسباب، فالله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه، وأن يبذل جهده، وأن يفي بالتزاماته، وبقَدْر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها، وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة الله وقدره، هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء، وكيفما يشاء.

وهكذا يعمل أولياء الله ويبذلون ما يقدرون عليه من جهد واستعداد، يؤدُّون تكليفهم، ويتركون النتائج لله تعالى فهو الذي يقدِّرها، لأنه العالم بما يُصلحهم، ويدفعهم ذلك إلى التوكُّل عليه في كل حال من أحوالهم، ولا يعتمدون على غيره، ولا يلتمسون شيئًا من سواه، وتبقى قلوبهم متصلة به مقبلة عليه موقنة أنها في عينه وفي حرزه.

سحر يوم الجمعة الواقع في: 20/3/2026 الساعة (04:00)