معركة أحد وصناعة الموقف..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” ﴿آل عمران: 156﴾.
هذه الآية الكريمة كسابقاتها ولاحقاتها من الآيات تحدثت جميعها عن معركة أحد، وما رافقها من أحداث ومواقف، وقد قصَّها الله علينا في كتابه المبارك، لما فيها من عِبرة لأولي الألباب، ومعلوم أن المسلمين قد أصابتهم نكسة في تلك المعركة، حيث استشهد عدد كبير منهم، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب (رض).
لكن النكسة الأهم كانت في فرار معظمهم، وارتداد عدد كبير منهم من الدين، وانكشاف أمر المنافقين الذين بادروا إلى الاستفادة من مجريات الأحداث، واستثمار الخسائر الكبيرة في الأرواح لِشَنّ حملة إعلامية على المسلمين الصادقين،
لذلك دعتهم الآية الكريمة إلى أن يتجنّبوا وساوس هؤلاء الكافرين الذين لا يؤمنون بقضاء الله ولا يرضَون بقَدَرِه، فإذا مات لهم ميت أو قتل لهم قتيل، وهو يجاهد في سبيل الله- قالوا هذا القول المنكر، الذي حكاه القرآن عنهم.
لقد اعتمد المنافقون الأوّلون، استراتيجية إعلامية نفسية تقوم على مصطلح (لو) وهذه الاستراتيجية لم تزل معتمدة من قبل المنافقين والمُحبَطين والمُثَبِّطين المعاصرين، وهي قائمة على تفكير افتراضي وتفسير مادي بحتٍ للأحداث، يقوم على وَهم أن الإنسان هو الذي يملك مصيره بنفسه، كأن الموت قرار يتخذه بإرادته، وأنه قادر على دفعه عنه باجتناب مسبباته، وهم يُدركون أن واقع الأمر ليس كذلك، فالمَوت بيد الله وحده، والإنسان لا يدري متى يموت، وكيف يموت، وبأي شيء يموت.
إنّهم يقولون: لو بقي المجاهدون عندنا ولم يخرجوا إلى قتل العدو لَمَا ماتوا وما قُتِلوا، ويقولون: لو لم نقاوم ولو لم نواجه، ولو سكتنا، ولو استسلمنا، ولو سالمنا، ولو أعطينا العدو ما يطلب لنجونا، ولأنجينا وطننا من التدمير، هذا هو منطق المنهزمين المنافقين، يسوِّقونه في إعلامهم ومنَصّاتهم، ويتشدّقون به في منتدياتهم وتصاريحهم، ويقدِّمون أنفسهم ناصحين حريصين على البيئة مخلصين لها،
ولكن أهل البصائر لا تنطلي عليهم هذه الاستراتيجية المتهافتة، ولا يتأثرون بمنطق هؤلاء، لأنهم يعرفونهم تمام المعرفة، ويعرفون معدِنَهم ومرامهم، وأنهم منبطحون لشيطانهم الأكبر، ويعرفون أن الشيطان يُظهر الحِرص، ويُقسِم على أنه ناصح أمين، حتى إذا أمكنته الفرصة من الإنسان أظهر له حقيقته، وكشف له عن معدنه.
الآية الكريمة تُعَلِّمنا أن أخطر ما يُضرَبُ به المجتمع المؤمن، هو زرع الشَّكِّ في جدوى التضحية الرفض لإرادة العدو، وجدوى مقاومته، وهذا المنطق سلاح خطير استُخدِم ماضيًا ويُستَخدَم اليوم بكثافة ضد الأحرار والأبرار الذين يواجهون العدو والمحتل الغاصب، ويرفضون الإذعان له.
كما تعلِّمنا الآية الكريمة أن الإيمان بالله تعالى يجنِّبنا التأثُّر بمنطق (لو) لأن المؤمن يعتقد أن الموت بيد الله تعالى، وأن المرء لن يموت إلا حين يجيء أجله، وأن الأجل معلوم لله وحده، وأن الأجَلَ خير حِرزٍ، أي أن المَرء لن يموت قبل حلول أجله، فأجله يحميه ويدفع عنه ما يخافه، ويؤمن أن عليه أن يقوم بما كُلِّف به أيًا تكن النتائج، وذلك يمنحه طاقة هائلة يواجه بها الصِّعاب، ويتخطّى بها كل مكائد العدو، وهو ممتلئ طمأنينة وثباتًا، وشعورًا بالعِزَّة والإباء.
*وبهذا* فإن الآية الكريمة تصنع إنسان الموقف، والقيام بالواجب وأداء التكليف، وليس مطلوبًا أن يضمن النتائج كلِّيًا، فالمعيار عنده ليس النجاة في الدنيا وحسب، بل النجاة في الآخرة.
سحر يوم الخميس الواقع في: 19/3/2026 الساعة (04:50)




