الخميس - 14 مايو 2026

الدولة حين تعمل.. والحرب حين تكشُف العقول..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في عالم السياسة والأمن القومي لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش أو موارد فحسب ، بل بمدى كفاءة مُؤسساتها وقُدرتها على إدارة الأزمات والصراعات بعقلانية وذكاء .

فالدولة التي تمتلك مؤسسات وطنية رصينة تشبه عربة مُتقنة الصنع ، قد تبدو فاخرة في شكلها ، لكنها لن تتحرك سنتيمتراً واحداً من دون حصان قوي يجرّها .

وإذا رُبطت العربة نفسها بحصان هزيل فقد تسير قليلاً ، لكنها لن تقطع طريقاً طويلاً .

\هذه الصورة تختصر جوهر فكرة الدولة الحديثة فالمُؤسسات القوية هي المُحرك الحقيقي للدولة ، وهي التي تمنحها القُدرة على الصمود في أوقات السلم وإدارة التحديات في زمن الأزمات والحروب .

برزت هذه الحقيقة بوضوح مع الحرب الإقليمية التي أندلعت في أواخر شباط من هذا العام ، حين دخلت إيران في مُواجهة عسكرية مُباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، في صراع يراه العالم المُنصف حرباً فُرضت عليها بعد الضربات العسكرية التي أستهدفت أراضيها ومنشآتها الحيوية في وقت كانت فيه المفاوضات لا تزال جارية .؟

ولم يعد هذا الصراع مُجرد أشتباك عسكري محدود ، بل تحوّل سريعاً إلى أزمة جيوسياسية واسعة ذات تداعيات أقتصادية عالمية ، فالتوتر العسكري في منطقة الخليج ، ولا سيما حول مضيق هرمز ، عطّل جُزءاً مهماً من حركة الطاقة العالمية ، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز في العالم .

خلال الأيام الأولى للحرب أرتفعت أسعار النفط بشكل حاد متجاوزة 110 دولارات للبرميل ، مع تحذيرات من أحتمال وصولها إلى مُستويات أعلى إذا أستمر تعطل الإمدادات ، وقد دفعت هذه التطورات “وكالة الطاقة الدولية” إلى إعلان خُطط لإطلاق مئات الملايين من البراميل من الاحتياطيات الاستراتيجية في محاولة لتهدئة الأسواق العالمية .

هذه القفزة في أسعار الطاقة لا تعني فقط أرتفاع تكاليف الوقود ، بل تمتد آثارها إلى سلاسل التوريد العالمية والنقل البحري والصناعة ، ما يرفع مُعدلات التضخم ، ويهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ، وهي ظاهرة يخشى الاقتصاديون أن تقود إلى ما يشبه الركود التضخمي إذا طال أمد الصراع .

لكن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالصواريخ فقط، بل بالعقول أيضاً ، فقد كشفت تقارير أمنية عن عملية أستخبارية معقدة نُسبت إلى الأجهزة الأمنية الإيرانية ، تضمنت إنشاء حسابات مُزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي تنتحل صفة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ، بهدف أستدراج أشخاص داخل إيران للتواصل معها والإبلاغ عن مواقع حساسة للدولة ، وتشير المعلومات المُتداولة إلى أن بعض الأفراد تواصلوا فعلاً مع تلك الحسابات ، فتم تعقبهم لاحقاً وإلقاء القبض عليهم في عملية أستخبارية تعكس جانباً من حرب الظل الدائرة خلف خطوط المواجهة العسكرية .

هذه الخُدعة الاستخبارية الذكية ، بصرف النظر عن تفاصيلها الدقيقة ، لكنها تُسلط الضوء على حقيقة مُهمة في عالم الصراعات الحديثة ، هي أن التفوق الاستخباري قد يكون أحياناً أكثر حسماً من التفوق العسكري ، فالدول التي تمتلك مُؤسسات أمنية رصينة ومُحترفة قادرة على العمل بصمت وذكاء ، كما تستطيع حماية جبهتها الداخلية وإدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة .

ومن هنا يتضح الفرق بين مفهوم الدولة بوصفها منظومة مؤسسات ، وبين الأنظمة التي تُدار بمنطق الأشخاص أو الولاءات ، ففي العديد من الدول العربية ما زال مفهوم الدولة المُؤسسية يُعاني من ضُعف عميق نتيجة تراكمات تاريخية من المُحاصصة السياسية وتغليب الولاءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة .

التجربة اللبنانية مثال واضح على ذلك ، فالنظام السياسي يمتلك شكلاً ديمقراطياً نظرياً ، لكنه يُعاني عملياً من شلل مُؤسساتي نتيجة الصراعات الطائفية وتنازع مراكز النفوذ .

أما في العراق ، فإن المشهد لا يبتعد كثيراً عن هذه الإشكالية ، فالدولة تمتلك موارد هائلة وموقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية ، لكنها ما تزال تُكافح لترسيخ نموذج الدولة المُؤسسية القادرة على أتخاذ القرار وفق معايير الكفاءة والمهنية . وفي ظل حرب إقليمية تتسع آثارها يوماً بعد آخر يصبح هذا التحدي أكثر خطورة ، لأن الدول التي لا تمتلك مُؤسسات قوية تتحول سريعاً إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية .

ليعلم القاصي والداني إن الهوية الوطنية ليست مُجرد شعار سياسي ، بل هي العقد المعنوي الذي يربط المواطن بالدولة ويمنحها الشرعية والاستقرار ، فالجنسية لا تعني فقط التمتع بالحقوق ، بل تفرض أيضاً واجب الانتماء والولاء والمسؤولية أتجاه أمن الوطن وأستقراره .

في المحصلة .. إن في زمن التحولات الكُبرى التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم ، يتأكد أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بالمظاهر ، بل بمؤسسات قوية وعقول مُحترفة وهوية وطنية جامعة ، فالحروب تكشف دائماً حقيقة الدول ، دولٌ تمتلك حصاناً قوياً يجرّ العربة بثبات ، وأخرى تكتفي بزخرفة العربة بينما تقف في منتصف الطريق عاجزة عن الحركة …!