الجمعة - 15 مايو 2026

​تكامل الأدوار وتجرد النفس: ركائز النجاح في العمل الرسالي..!

منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

​في ظلال المحاضرة الرمضانية الرابعة والعشرين للسيد القائد يحفظه الله، نجد أنفسنا أمام دروس إيمانية وعملية عميقة تستلهم من حركة الأنبياء عليهم السلام أسس مواجهة التحديات المعاصرة.

لقد وضع السيد القائد يده على جوهر النجاح في مقام المسؤولية، مبينًا أن استقامة العمل لا تتحقق إلا بالجمع بين الاستمداد من الله، والتجرد من حظوظ النفس، وفهم طبيعة المعركة التبليغية
من خلال التالي:

​أولًا: التحمل والبيان في مواجهة التزييف

​أكد السيد القائد أن سعة الصدر والتحمل هما المقدمة الإجبارية لأي مسؤولية كبرى؛ فالانسان الذي ينقاد لحالته النفسية وانفعالاته يخرج عن دائرة “الرشد”.

وبطرح قرآني بليغ، استعرضت المحاضرة دعاء نبى الله موسى عليه السلام بطلب تيسير الأمر وحل عقدة اللسان، مشيرة إلى أن القدرة البيانية ليست مجرد فصاحة لسان، بل هي سلاح استراتيجي في عصرنا الراهن.

نحن اليوم نواجه حربًا دعائية وتضليلية واسعة، مما يحتم علينا توظيف البيان لنصرة الحق ودحض الباطل، فالفراغ البياني هو الميدان الذي يتسلل منه الأعداء لتزييف الوعي.

​ثانيًا: مكافحة الآفات النفسية وروحية “الوزير”

​من أهم الدروس التي استخلصتها المحاضرة هي أهمية “شد الأزر” والبحث عن المعاونين الصادقين. طلبُ موسى عليه السلام لأخيه هارون ليكون وزيرًا له لم يكن نابعًا من ضعف، بل من إدراك عميق لحجم المهمة وتعقيداتها.

وهنا حذر السيد القائد من آفتين تدمران العمل الجماعي:
1- ​الأنانية وحب الاستئثار: الرغبة في التفرد بالمسؤولية، وهي آفة تؤدي حتماً إلى الخيانة العملية للمسؤولية.

2- ​الاستحواذ بدافع الحرص غير الواعي: حيث يظن البعض أن قيامهم بكل المهام بأنفسهم يضمن الجودة، بينما الحقيقة أن الجهد الفردي في المهام الكبيرة يؤدي إلى الخلل والنقص والوقوع في الخطأ.

​إن نموذج موسى وهارون يجسد تكامل الأدوار الذي يخرج من دائرة الحسابات الشخصية إلى دائرة المصلحة الرسالية العليا.

​ثالثًا: الانشداد لله… الغاية والوسيلة

​أوضحت المحاضرة أن كافة المهام الرسالية تهدف في نهاية المطاف إلى شد الناس نحو الله سبحانه وتعالى والشهادة على عظمته.

العمل لوجه الله هو الضمانة الوحيدة لثبات الثمرة، فكل تعاون أو جهد لا يكون مرجعه ومقصده الله، يظل قاصرًا عن تحقيق الأثر المطلوب.

​رابعًا: العضد والمناصرة.. من هارون إلى علي عليهما السلام

​ربط سيد القول والفعل بين الاستجابة الإلهية لموسى بـ “شد عضده” بأخيه هارون، وبين الدور العظيم الذي قام به الإمام علي عليه السلام في مناصرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

هذا “العضد” هو الذي يحول بين القائد وبين الضغوطات والتهديدات،
وهو تجسيد للرعاية الإلهية التي تعد الإنسان لتحمل الشدائد والغموم كما أعدت موسى في رحلته الطويلة قبل النبوة.

​ختامًا: مما سبق يتبين
إن الوعي الذي قدمته المحاضرة يضعنا أمام مسؤولية كبرى للتفتيش في نفوسنا؛

هل نتحرك بروحية التكامل أم بروحية التمحور حول الذات؟ إن الانتصار في المعارك الكبرى يتطلب نفوسًا متجردة، وألسنةً بليغة بالحق، وعقولًا تؤمن بأن التعاون هو سنة الله في عباده المخلصين.