المعية الإلهية وصناعة القائد..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

تتجلى في المحاضرة الرمضانية الخامسة والعشرين للسيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي دروس عميقة حول الرعاية الإلهية، وإعداد الكوادر الرسالية، ومنهجية التبليغ ومواجهة الطغيان.
حيث استعرض السيد القائد الحكيم محطات هامة من حياة كليم الله موسى عليه السلام، مؤكدًا أن مسيرة الأنبياء هي مدرسة متكاملة للبناء الإيماني والمعنوي.
أولًا: الرعاية الإلهية والإعداد للمهمة
أكد السيد القائد أن اصطفاء الله لأنبيائه لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج رعاية إلهية مستمرة منذ الصغر. فالله حين استجاب لموسى وسؤله، ذكّره بمنّه عليه منذ أن كان رضيعًا، ليرسخ في نفسه الطمأنينة والثقة بموعود الله.
﴿ وجِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾لم تكن عودة موسى إلى مصر صدفة عابرة، بل كانت ترتيبًا إلهيًا دقيقًا هيأ الظروف والمتغيرات لتنسجم مع توقيت بدء المهمة الرسالية.
الرعاية التصاعدية.
وأوضح قائد الثورة أن رُسل الله يحظون برعاية تزداد كلما عظمت المسؤولية، وهذا التذكير بالمنن الإلهية يهدف لرفع الروح المعنوية للقائد قبل التحرك لمواجهة قوى الطغيان.
ثانيًا: شخصية موسى عليه السلام.. النموذج والقدوة
استعرضت المحاضرة السمات الأخلاقية والعملية التي اتصف بها موسى عليه السلام، فهو:
الحريص على دين الله والمستسلم لأمره.
الصبور عند الشدائد، العظيم في رحمته وإحسانه.
الأمين الكريم في نفسه وفعله وعطائه،
وهي صفات أساسية في أي تحرك إيماني.
ثالثًا: المعجزات.. براهين الحق والحجة البالغة
توقف السيد القائد عند الآيات التي أيد الله بها موسى (العصا واليد)، موضحاً فلسفة المعجزة في الفكر الإسلامي:
الدعم المعنوي: قوله تعالى ﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ هو توجيه إلهي لضبط الانفعالات البشرية الفطرية كخوف، وتعزيز الثبات النفسي.
البراهين الساطعة: المعجزات هي دلائل يعجز البشر عن محاكاتها، تأتي لتبرهن صدق النبوة وتنسجم مع الفطرة البشرية التي تميل للحق الواضح.
الكمال الإنساني: بالرغم من كمال الأنبياء الأخلاقي ورشدهم المعروف في مجتمعاتهم، إلا أن الله يؤيدهم بالمعجزات ليعرف الناس أن هذا التأثير هو من الله سبحانه وليس مجرد قدرات شخصية.
رابعًا: منهجية المواجهة وأدب التبليغ
في مواجهة “فرعون” الذي يمثل ذروة الطغيان والفسق، رسمت المحاضرة معالم المنهج الرسالي:
القول اللين: أُمِر موسى وهارون بتقديم الحجة بأسلوب سليم بعيداً عن الاستفزاز والخشونة (قولًا لينًا)، لقطع الطريق على أي تبرير للطاغية بأن أسلوب الدعوة كان منفراً، وهذا درس للجميع في أهمية الحرص على المضمون لا على الصدام اللفظي.
العمل الجماعي (شد العضد): طلب موسى إشراك أخيه هارون “ردءاً” له، وهو ما يعزز فكرة التعاون وتوزيع المهام في سبيل إعلاء كلمة الله.
خامسًا: الوعيد والوعد الإلهي
ختم السيد القائد بالتأكيد على أن الله لا يترك أولياءه:
المعية الشاملة: قوله تعالى ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ هو أعظم تعبير عن الحماية والرعاية التي تبدد كل المخاوف البشرية.
شرط الإيمان: أكد أن الإيمان بوعود الله بالنصر والغلبة هو جزء لا يتجزأ من كمال الإيمان، فالحق قوي بذاته وبحججه، والبديل عن اتباع الحق هو السقوط في مستنقع الظلم والشر.
الخلاصة:
لاشك إن مسيرة موسى عليه السلام كما قدمها السيد القائد هي مسيرة “ثقة بالله” تبدأ من الاستعداد النفسي والروحي، وتمر باتخاذ الأسباب والوسائل، وتنتهي بالنصر المحتوم للمؤمنين الذين يثقون بمعية الله الشاملة، فمن هاب الله هابه كل شيئ.




