شروط إقليم كردستان: بين الخلاف السياسي ومحاولة فرض الإرادة على الدولة..!
عامر جاسم العيداني ||

تطفو إلى السطح مجددا أزمة تصدير النفط عبر خط جيهان بعد إعلان إقليم كردستان مجموعة من الشروط لاستئناف التصدير من بينها دفع رواتب موظفي الإقليم المتراكمة وإلغاء العمل بنظام الاسيكودا في منافذه إضافة إلى توفير الدولار لتجار الإقليم بالسعر الرسمي مع التلويح بعدم السماح بتصدير نفط كركوك عبر الخط ما لم تُنفذ هذه المطالب.
هذه الشروط تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية وحدود الصلاحيات التي كفلها الدستور في إطار الدولة الاتحادية، فالعراق دولة واحدة وثرواته الطبيعية ملك لجميع أبنائه وإدارة ملف النفط ليست مسألة محلية تخص إقليما بعينه بل قضية سيادية تتعلق بالاقتصاد الوطني بأكمله.
ولا شك أن دفع رواتب موظفي الإقليم يمثل حقا مشروعاً يجب أن يصان لأن الموظف لا ينبغي أن يكون ضحية للخلافات السياسية أو الإدارية بين الحكومتين لكن تحويل هذا الحق إلى ورقة ضغط لتعطيل تصدير النفط أو منع تصدير نفط كركوك عبر خط جيهان يخرج القضية من إطار المطالبة بالحقوق إلى إطار الضغط السياسي ومحاولة فرض الشروط على الدولة.
كما أن المطالبة بإلغاء العمل بنظام الاسيكودا وهو نظام إلكتروني معتمد دوليا لتنظيم العمل الكمركي وتعزيز الشفافية تثير علامات استفهام كبيرة حول دوافع رفضه فمثل هذه الأنظمة وضعت أصلا للحد من الفوضى والتهريب وتعزيز الرقابة المالية وهو ما يفترض أن يخدم الاقتصاد العراقي ككل.
أما اشتراط توفير الدولار لتجار الإقليم بالسعر الرسمي فهو مطلب يضع السياسة النقدية للدولة تحت ضغط سياسي في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات معقدة فإدارة العملة وسعر الصرف هي مسؤولية وطنية مركزية ولا يمكن إخضاعها لاعتبارات إقليمية أو فئوية.
إن أخطر ما في هذه القضية هو استخدام ملف تصدير النفط كورقة ضغط في لحظة اقتصادية وسياسية حساسة يمر بها العراق والمنطقة، ففي ظل الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية يفترض أن تتعزز روح الشراكة الوطنية لا أن تتحول الموارد السيادية إلى أدوات تفاوض سياسي.
ومن هنا فإن الحكومة الاتحادية مطالبة اليوم بأن تتعامل مع هذا الملف بحزم ومسؤولية وأن تضع حدا لأي محاولة لفرض الشروط خارج الأطر الدستورية والقانونية فالدولة لا يمكن أن تدار بمنطق المساومات السياسية أو الضغوط الاقتصادية بل بسيادة القانون واحترام المؤسسات.
كما أن من واجب الحكومة اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية واضحة لضمان التزام جميع السلطات المحلية والإقليمية بالقوانين الاتحادية بما يحفظ وحدة القرار الاقتصادي والسيادي للدولة فالدستور لم يمنح أي جهة صلاحية تعطيل موارد البلاد أو استخدامها كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية.
إن الحفاظ على هيبة الدولة ووحدة القرار الاقتصادي يتطلب موقفا واضحا يوازن بين الحوار السياسي من جهة وتطبيق القانون من جهة أخرى، فالحوار يبقى الطريق الأفضل لحل الخلافات لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن احترام الدستور وسيادة الدولة.
وفي النهاية فإن العراق اليوم بحاجة إلى ترسيخ مفهوم الدولة القادرة على إدارة مواردها بعدالة وشفافية بعيدا عن منطق الضغوط المتبادلة فالثروات الوطنية ليست ملكا لطرف دون آخر بل هي حق لجميع العراقيين ويجب أن تبقى إدارتها في إطار القانون والمصلحة الوطنية العليا.




